• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

حسن الخاتمة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 26 يناير 2015

قال الراوي لي: أردت أن أضع رأسي وآخذ قسطاً من الراحة إلى وقت صلاة المغرب، فجاءتني زوجتي لتخبرني بأن والد صديقنا إبراهيم قد وافته المنية قبيل الفجر، وقد تم دفنه عصر هذا اليوم.

حكى الراوي عن الرجل المتوفى بأنه لم ينم ليلة وفاته، وقد طلبت منه زوجته أن يخلد إلى الراحة والنوم بعد يوم شاق وطويل، فرد عليها بأنه لن ينام تلك الليلة، وجلس على سجادة صلاته يقرأ كتاب الله ملياً ثم بدأ يدعو طويلاً، ثم قام ليصلي ركعتين. وعندما وصل إلى الركعة الثانية، سقط على جنبه الأيمن ومات، حتى أن سيارة الإسعاف أخذته هو وسجادته التي كان يصلي عليها.

ويقول راوي القصة: تحركت بعد صلاة المغرب إلى مكان العزاء، وعند وصولي مدخل الخيمة، حدثتني نفسي: كيف لي أن أعرف تفاصيل حسن خاتمة هذا الرجل والخيمة ملأى بالمعزين، وصاحبي سيكون مشغولاً جداً؟ تقدمت وقدّمت واجب العزاء لصديقنا وإخوانه وأهل بيته، فإذا به يأخذني وأصحاب له قد أتوا للتو، إلى مكان قصي. كنت جالساً على يساره، وكان صديقه الثاني على يمينه. فلما فرغ منه، مال إلى اليسار نحوي فبادرت بالسؤال: أخبرني يا أبا خليل عن والدك وحسن خاتمته. فقال: أبي رحمه الله مات وهو في الثمانين من عمره، عُرِفُ عنه بأنه حمامة المسجد. إذا أذن المؤذن، تجده يتجه مباشرة إلى المسجد ماشياً ولا يعترف بالذهاب بالسيارة إلى الصلاة. أبي رحمه الله منذ عرفته وهو يقوم الليل. لا يستقبل أحداً بعد العاشرة مساءً وتجده في الثالثة ليلاً قائماً يصلي ويقرأ القرآن ويدعو ربه، وذلك كل ليلة، وكان رجلاً بسيطاً يحب الحياة البسيطة ويمقت التعقيد.

أكمل الابن القصة للراوي: كان والدي يخبرنا بأنه يكره أن يوضع الميت في ثلاجة فترة طويلة ولابد أن يُتَعجّل الناس دفنه. ولم يحصل له ما كان يكره بعد وفاته. أردف الابن قائلا: تيسرت لنا إجراءات الدفن بسبب الوفاة في البيت وهي عادة تحتاج إلى وقت، فسخر الله لنا أموراً كثيرة وحصلنا على أوراق الدفن بسرعة.

قال الابن: كنت وأحد إخوتي واثنان من المغسلين نغسل المتوفى، ولما فرغنا، قال أحد المغسلين: لقد قمنا بتغسيل الكثيرين، ووالدك هذا ما شاء الله عليه، وجهه يعلوه البِشر، والابتسامة المشرقة والمنيرة ترتسم على محياه بشكل لافت. كنت أخفف على من كان يلقي النظرة الأخيرة - قبل الصلاة عليه - من أهلي وأحباب أبي وأقول لهم: انظروا إلى هذه الاشراقة المضيئة والابتسامة الجميلة من أبي، ودعوا عنكم النواح والبكاء الشديد.

قال الراوي: انقطع الحديث الشائق المؤثر بيني وبين صديقي إبراهيم لوصول أفواج المعزين الذين انشغل بهم صاحبنا وامتلأت بهم الخيمة وكنت أطمح أن أسمع منه أكثر.

هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة في حياتنا لمن غيبهم الموت وختم لهم بخاتمة حسنة، تستوجب الوقفة عندها وتستلزم أخذ العظة والعبرة منها، تمر علينا مثيلاتها ونحن لا نتعظ، ونحن منشغلون بالدنيا ولذائذها وتوافهها والله المستعان. فقلت للراوي: جزاك الله خيراً على ماسردت لي والله نسأل أن يرحم موتانا رحمة واسعة، ويغفر لنا ويحسن خواتيمنا.

حسين عبدالله - أبوظبي

     
 

ونعم المقال

جزاك الله خير على المقال الطيب والموضوع القيم

احمد علي عبدالله | 2015-01-26

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا