• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

إيجاد الانسجام الاجتماعي كأساس للتنمية الاقتصادية، يوفر حافزاً للقوى السياسية للعمل معاً

الثورات وعنف الاستقطاب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 أكتوبر 2015

لاشك أن التحولات السياسية في شمال أفريقيا، والتي انطلقت من تونس قبل حوالي أربعة أعوام، هي اليوم في حال من التعثر والارتباك يوشك أن يقضي على كل الآمال والوعود المفرطة التي أوجدتها لدى انطلاقها. ذلك ما يلاحظه، وفي وقت مبكر نسبياً، أنتوني دوركين، الباحث الأميركي وزميل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في كتابه «النضال من أجل التعددية بعد ثورات شمال أفريقيا»، حيث يسجل، وبعد سنتين فقط على التغيير الذي شهدته كل من تونس ومصر وليبيا، أن سياسات الدمقرطة تظهر ميزات النظام السياسي الجديد في تلك الدول، بقدر ما تظهر مخاطر التنافس السياسي وعواقبه على انسجام السير العام للمجتمعات والدول.

ويحاول دوركين إجراء جرد للوضع السياسي في الدول الثلاث، وتقييم آفاق التعددية السياسية فيها، واقتراح أولويات للجهات والمنظمات الخارجية الراغبة في دعم التعددية السياسية فيها. كما يتساءل حول ما إذا كانت التحولات قد انحرفت عن مسارها، وعن العوامل التي تؤثر على الأرجح في اتجاهها خلال المديات الزمنية المتوسطة.

وكما يقول دوركين فقد أشاعت الثورات كثيراً من الأمل في هذه البلدان بإمكانية إنشاء أنظمة سياسية تعزز الوحدة الوطنية عن طريق مراكمة مساهمات كافة مواطنيها، لكن التطورات اللاحقة جعلت من ذلك الأمل والطموح أمراً بعيد المنال. بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً، وقت تأليف هذا الكتاب، هو ما إذا كانت أشكال جديدة من هيمنة الأكثرية أو الانقسام الاجتماعي ستترسخ وتتجذر، الأمر الذي يحول دون تطور التسويات السياسية التي تتمتع بدعم شعبي يحظى بالإجماع.

وفي تفاصيل موضوعه، يتحدث المؤلف عن التوتر بين مُثل التعددية والتهديد بالإقصاء السياسي والاجتماعي، كمركز للديناميات السياسية الانتقالية الجارية في الدول الثلاث آنذاك. فقد شهدت مصر أزمات عامة اتسمت بتداعي العلاقات السياسية بين «الإخوان المسلمين» وجماعات المعارضة العلمانية، وبزيادة حالة عدم الاستقرار. وفي تونس توجت عملية اغتيال أحد القادة اليساريين البارزين الزيادة الخطيرة في العنف السياسي الذي ترافق مع استقطاب سياسي صارخ. بينما كانت الحكومة الليبية في حينه تكافح لإظهار مصداقيتها في مواجهة حالة الانفلات الأمني، والمنافسات الإقليمية والمحلية، علاوة على الدفع باستحقاقات الانتقال الديمقراطي في آجالها المحددة.

ومن الدروس الأكثر وضوحاً، والتي يلح عليها المؤلف كخلاصات للمراحل الانتقالية، أن الاستقرار والتنمية الاقتصادية في هذه الدول لا يمكن أن يتحققا إلا عبر ترتيبات سياسية توافقية بوجه عام. فالعمل على إيجاد درجة من الانسجام الاجتماعي كأساس لتنمية اقتصادية متجددة، قد يوفر حافزاً لكل القوى السياسية الرئيسة للعمل معاً بصورة براغماتية لتحديد المنظومات السياسية التي توجد لها جميعاً مصلحة فيها. وهنا يحذر الكاتب، وفي ذلك الوقت المبكر نسبياً، من تكوّن حلقة شريرة من الاستقطاب والاضطراب المتزايدين تتغذى على نزعة مثيرة للقلق من العنف السياسي المتزايد -بدرجات متفاوتة- في الدول الثلاث. لذلك فهو يرى أن الأولوية الأولى يجب أن تكون لحصر استخدام العنف في أيدي مؤسسات أمنية حكومية تكون خاضعة للمراقبة والمساءلة ديمقراطياً.

محمد ولد المنى ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا