• الثلاثاء 24 جمادى الأولى 1438هـ - 21 فبراير 2017م
  09:11     وفاة سفير روسيا لدى الامم المتحدة فيتالي تشوركين بشكل مفاجئ         09:12     خمسة قتلى باصطدام طائرة صغيرة بمركز تجاري في استراليا     

أي حركة تاريخية إنسانية كبيرة، تبقى دائماً مرتبطة، نشأة ومصيراً، بالخلفية الثقافية والإنثروبولوجية

جذور الهوية الأوروبية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 أكتوبر 2015

يثير المؤرخ وعالم الإنسانيات الفرنسي الشهير إيمانويل تود في كتابه الجديد: «اختراع أوروبا»، مجموعة من الأسئلة العميقة حول البنية المنطلقية، الاجتماعية والثقافية، التي أقيم عليها الاتحاد الأوروبي كمشروع سياسي من الأساس، حيث يتساءل ابتداءً: كيف تشكلت أوروبا أصلاً؟ وما الذي يفسر شدة تنوعها الثقافي والقومي؟ ولماذا لم تعش الشعوب التي شكلتها بذات الإيقاع، والطريقة، أهم التحركات التاريخية الكبرى مثل حركة الإصلاح الديني، والثورة الصناعية، ومولد وسقوط الإيديولوجيات الشمولية التوليتارية؟ ثم، هل تعبّر الحدود السياسية الحالية في القارة عن تمايزات الأمم الأوروبية وخريطتها البشرية الحقيقية؟ وفي مسعى الإجابة على مثل هذه الأسئلة ينطلق «تود» من فرضية عمل أساسية هي أنه يمكن الإجابة على هذه الإشكاليات من خلال الحفر المنهجي في التكوينات الاجتماعية والقومية الأوروبية، والنظر بعد ذلك في مدى مطابقتها لما يراد للواقع الأوروبي الجديد أن يكون عليه، في ضوء تطلعات ورؤى المشروع الوحدوي التكاملي الأوروبي الجامع. وفي هذا السياق ينطلق المؤلف من تجربة منهجية ثرية، حيث سبق له أن طبق هذا المنهج في أعمال سابقة مثل كتابيه «اختراع فرنسا» و«فرنسا الجديدة»، اللذين قارب فيهما جذور تشكل الهوية والذات الفرنسية. وفي حالة أوروبا ككل ينطلق «تود» أيضاً من فرضية أن أي حركة تاريخية إنسانية كبيرة على المستوى الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الإيديولوجي، تبقى دائماً مرتبطة، نشأة ومصيراً، بالخلفية الثقافية والإنثروبولوجية للمجتمع المعني. وفي مقدمة الخلفيات الثقافية والأنثروبولوجية، من وجهة نظره، طبيعة الأنماط الأسرية المكونة للمجتمع، والمحددة لنوعية علاقات أفراده، لأن لها تداعيات مباشرة على نظامه السياسي، والاجتماعي بصفة عامة. وبذات الكيفية فإن الخلفيات الدينية الأوروبية -من بروتستانتية وكاثوليكية- لها هي أيضاً دور حاسم في طبيعة المنظومة القيمية السارية في أي مجتمع، وقد كتب الكثير عن آثارها في غلبة النزعات الليبرالية أو المحافظة، في بعض المجتمعات الأوروبية. وبالنظر إلى كل هذا يوجد في القارة العجوز تاريخياً، يقول الكاتب، أربعة أنواع من الأنماط الأسرية، يمكن بالاستناد عليها تحليل تمايزات ثقافية وبنيوية اجتماعية كثيرة داخل البيت الأوروبي نفسه. ولو أقدمنا على ذلك سنكتشف أننا إنما نعيد كتابة تاريخ القارة من جديدة، ومن منطلقات مختلفة عما كان شائعاً من استسهال وارتجال في فهم حجم الاختلافات بين شعوبها. كما أن الاستناد في التحليل إلى هذا الأساس الاجتماعي الثقافي المشكّل للهويات الأوروبية من شأنه أن يفيدنا أيضاً في إعادة فهم كثير من الأحداث الكبرى التي عرفتها القارة ابتداءً من الحروب الدينية، والثورات والظواهر السياسية، كالثورة الفرنسية، وديكتاتورية فرانكو في إسبانيا، والنازية في ألمانيا، والنزعات الاشتراكية في إيطاليا.. الخ. وهي حالات يدرسها «تود»، كلاً على حدة، بتأنّ منهجي وموضوعي.

وفي المجمل يقول «تود» إن هدف كتابه هذا ليس التشكيك في الأساس الذي أقيم عليه الاتحاد الأوروبي، ولا الدفاع أيضاً عن هذا الأساس، وإنما يرمي لإظهار القرص الصلب للهويات الأوروبية، والأساس الاجتماعي والثقافي الذي تشكلت عليه، وهي حقائق سوسيو- تاريخية، يصعب إلغاؤها بقرار فوقي، وقد أدى تجاهلها إلى كثير من الاختلافات والخلافات التي تجتاح الاتحاد منذ قيامه، وربما تهدد بإسقاط المشروع الأوروبي أيضاً إن ظل مجازفاً بتجاهلها، في النهاية.

حسن ولد المختار

الكتاب: اختراع أوروبا

المؤلف: إيمانويل تود

الناشر: بوان

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا