• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

حاجز على كل خط تماس (1 - 3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 أكتوبر 2015

أقامت إسرائيل منذ نشأتها في عام 1948 حواجز وجُدُر فصلٍ متنوعة التي وإن كانت تختلف في بنيتها وفعاليتها، فإنها تتشابه في أهدافها، ومنذ ذلك الوقت ظلت سياسة الحواجز العازلة عنصراً ثابتاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. حسب العديد من الباحثين، بما في ذلك إسرائيليون، فإن فكرة الجدار العازل متجذرة في الفكر الصهيوني، حيث تعايش معها على مر العصور. وقد كتب (تيودور هرتزل)، أب الصهيونية السياسية المعاصرة والمؤسس الحقيقي لدولة إسرائيل، في كتابه «دولة يهودية» الذي صدر عام 1896 «ينبغي لنا أن نشكل هناك «فلسطين» جزءاً من سور أوروبا ضد آسيا، قاعدة أمامية للحضارة ضد الهمجية». يرى (يوري أفنيري)، الصحفي وناشط السلام الإسرائيلي، أنه بعد أكثر من مائة سنة من ذلك، فإن جدار شارون الذي بني في الضفة الغربية يعبر عن وجهة النظر ذاتها. وتعود فكرة بناء جدار الفصل في فلسطين إلى عام 1923 عندما نشر (زئيف جابوتنسكي)، أحد الزعماء الصهاينة الأكثر تأثيراً والأب الأيديولوجي لحزب الليكود الحالي، مقالين بعنوان «الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي» و«أخلاق الجدار الحديدي» اللذين يدافع فيهما عن فكرة إنشاء جدار حديدي عازل إذ يقول «... لا يمكن أن ينمو الاستيطان إلا تحت حماية قوة مستقلة عن السكان المحليين، وخلف جدار حديدي يعجزون على تحطيمه». لم تجد فكرة جابوتنسكي حول الجدار الحديدي آنذاك آذاناً صاغية لدى الحركة الصهيونية التي رأت الحل في طرد وتشريد السكان العرب الأصليين.

مع أن كل حاجز من الحواجز الإسرائيلية الحديثة أُنشئ في سياق خاص، فإن أهدافها تتداخل كثيراً. هذا الواقع يفسر إلى حد كبير فرضية كون الجدر والسياجات الإسرائيلية تستمد مسوغاتها السياسية من فلسفة واحدة. تعتبر الانشغالات الأمنية وضم المزيد من الأراضي الفلسطينية حجر الزاوية في هذه الفلسفة الإسرائيلية. بغض النظر عن كل القرارات الدولية التي تعترف بوجود الدولة اليهودية ضمن خطوط الهدنة لعام 1949، فإن الطريقة والسياق اللذين أسست فيهما جعلاها في وضعية معادية وغير طبيعية. ومع أن أغلب الدول العربية تعترف بإسرائيل، ضمنياً على الأقل، لكن شعوبها لم يقبلوا قط التطبيع معها، لذلك فإن الجدر العازلة تعكس إلى حد ما الخوف الدائم الذي تعيش فيه إسرائيل.

يمكن تمييز السياجات والجدر التي بنتها إسرائيل بناء على موقعها الجغرافي بين ثلاثة أنواع: حواجز تفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وحواجز تفصل بين الفلسطينيين أنفسهم، وحواجز حدود «الأمر الواقع» تفصل بين إسرائيل والدول العربية. لقد جعلت إسرائيل الأراضي الفلسطينية المحتلة فضاءً لمختلف أصناف الحواجز الفاصلة، محيطة نفسها بسياجات وجدر محصنة على طول كل خطوط تماسها مع الفلسطينيين والعرب على السواء. تبقى الحواجز التي تفصل الفلسطينيين فيما بينهم، لا سيما جدار العزل في الضفة الغربية، الأكثر إيلاماً، ليس لأنها وضعت مزيداً من الأراضي الفلسطينية لقمة سائغة لإسرائيل فحسب، بل أيضاً لأنها تؤثر بشكل عميق على المظاهر الحيوية لحياة السكان المحليين لا سيما الذين يعيشون في المناطق المحاذية لهذه الحواجز.

د. سعيد الصديقي

أستاذ القانون الدولي بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بأبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا