• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

جولة باريسية بين أحدث إصدارات أعلام الفكر والفلسفة

تقاطعات الظلمات والأنوار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 أكتوبر 2015

هاشم صالح

بعد غياب طويل عدت إلى فرنسا لكي أتسقط الأخبار وأشتم رائحة الاتجاهات الفكرية لهذا الموسم الثقافي. ومعلوم أنه بعد انتهاء العطلة الصيفية وعودة الحركة والنشاط فإن دور النشر الكبرى تتنافس على إصدار الكتب الجديدة لأشهر المفكرين. ولم يخب ظني فالحصاد كان ثميناً.

ما إن وصلت ووضعت حقائبي في الغرفة حتى خرجت مسرعاً لكي أرى واجهة المكتبات العامرة. وقد اشتريت أربعة كتب دفعة واحدة. اثنان منها لأندريه كونت سبونفيل. وهو من فلاسفة فرنسا المعدودين حالياً بالإضافة إلى لوك فيري وميشيل أونفري وآخرين. الأول بعنوان «إنها لشيءٌ حنونٌ الحياة». ويمكن ترجمته أيضا: «إنها لشيءٌ هشٌ الحياة». وهو عبارة عن سلسلة مقابلات أجريت معه وتحدث فيها عن مساره الفكري المتواصل منذ نحو الأربعين سنة. إنه كتاب ممتع فعلاً لأنه يستعرض الحياة الثقافية الفرنسية من خلال تجربة شخص واحد. لن أدخل في تفاصيله هنا لأن ذلك يتطلب مقالة مطولة أو حتى عدة مقالات. كل ما أريد قوله هم أن كتب المقابلات المثيرة للاهتمام وتُقرأ من أولها إلى آخرها بشهية كبيرة ودون أي ملل أو ضجر. فهناك حيوية مثيرة للاهتمام من خلال السؤال والجواب. وتظل تترقب ما سيقوله كجواب على السؤال التالي. وبالتالي فكتب المقابلات شيقة فعلاً. يضاف إلى ذلك أن المفكرين الكبار يشرحون من خلالها نظرياتهم المعقدة بلغة سهلة عموماً ومبسطة. وذلك على عكس كتبهم الأخرى التي تتميز بالوعورة عادة ويصعب على غير المختصين النفاذ إليها أو فهمها. إذا ما أردت أن تعرف ما هو رأي كونت سبونفيل بأفلاطون وأرسطو، أو سبينوزا وديكارت، أو كانط وهيغل، أو ماركس ونيتشه، أو فوكو ودريدا ودليوز، الخ.. فاقرأ هذا الكتاب. لقد غطست فيه أنا شخصياً إلى درجة أني نسيت حل بعض المشاكل العملية الملحة. ومع ذلك فلم أكمل إلا ربعه الأول. إنه يتجاوز الخمسمائة صفحة من القطع الكبير.

آراء الفلاسفة

أما الكتاب الثاني لكونت سبونفيل فيتجاوز أيضاً الخمسمائة صفحة ولكنه ليس عبارة عن كتاب مقابلات وإنما هو كتاب كلاسيكي يستعرض فيه تاريخ الفلسفة الغربية من أوله إلى آخره. وهو بعنوان «متعة الفكر أو التفكير. مدخل إلى الفلسفة». إنه مفيد جداً لطلبة الجامعات والدراسات العليا. بل ويمكن حتى لطلبة الثانوي أن يستفيدوا منه إذا كان عندهم اطلاع سابق على بعض كتب الفلسفة. يحتوي الكتاب على ستمائة نص فلسفي أساسي لكبار الفلاسفة منذ أيام هيراقليطس وحتى يومنا هذا. وهو مقسم بحسب الموضوعات التي يتطرق إليها الفلاسفة عموماً وتحظى باهتمامهم. ما هو رأي الفلاسفة مثلا بالأخلاق؟ أو بالسياسة؟ أو بالحب؟ أو بالموت؟ أو بالمعرفة؟ أو بالحرية؟ أو بالله؟ الخ.. إذا كانت تهمكم هذه الموضوعات فلا تترددوا عن شراء الكتاب لحظة واحدة. ألا يهمكم رأي أفلاطون وأرسطو بالحب؟ أو رأي نيتشه وجان جاك روسو؟ الخ.. ألا يهمكم رأي كبار الفلاسفة بالله؟ ألا يهمكم رأيهم بالحرية؟ أو بالأحرى أراؤهم لأنها مختلفة ومتشعبة بل ومتناقضة. سوف تفاجؤون بأجوبة لا تخطر على البال. والممتع هو أن المؤلف يساعدنا على فهم كل ذلك عن طريق كتابة مدخل قصير أو طويل لكل واحد من هذه الموضوعات.

الفكر والسياسة

أما الكتاب الثالث الذي اشتريته فهو للصديق الحميم لكونت سبونفيل ومنافسه على عرش الفلسفة الفرنسية المعاصرة. قصدت المؤلف الشهير والوزير السابق: لوك فيري. وهو بعنوان: حوليات الزمن الحاضر. لماذا اشتريته؟ لأنه يعطيك فكرة عن آخر المواقف التي توصل إليها مثقفو فرنسا بخصوص قضايا عديدة تهمنا جميعا. فالفيلسوف الفرنسي الذي يتحدث عن الدين مثلا من موقعه الباريسي يعطيك فكرة عن التطورات التي حصلت في هذا المضمار منذ مائتي سنة وحتى اليوم. كيف يطرح المثقف الأوروبي مسألة الدين عام 2015؟ وكيف كان يطرحها سلفه فولتير في القرن الثامن عشر؟ إنه لمن المهم أن تقيس حجم المسافة التي تفصل بينهما. ما هي المتغيرات التي طرأت على الفكر الفرنسي والأوروبي عموماً بخصوص كل هذه القضايا الحساسة؟ ألا ينبغي على المثقف العربي أن يطلع عليها قبل أن يتخذ منها موقفاً سلباً أو إيجاباً. أنا لا أدعو إلى تقليد الغرب بشكل حرفي أو أعمى بل وأحذر من ذلك كل التحذير. ولكن أدعو للاطلاع على تجربتهم بشكل دقيق لكي نستطيع أن نتخذ منها موقفاً صحيحاً. سوف أضرب على ذلك مثلاً عملياً لتوضيح ذلك. فمثلاً لوك فيري يؤيد زواج المثليين على الرغم من أنه ليس مثلياً شذوذياً على الإطلاق. ولكن أصبحت موضة في الغرب أن تقول أنك مع المثليين. وإذا لم تقل ذلك فأنت رجعي ضد الحداثة وحركة التقدم! شيء مخيف.. وقد أثار موقفه هذا عاصفة من الانتقادات وتلقى أطناناً من الشتائم كما يقول هو حرفياً. وأنا شخصياً لا أشتمه ولكني أعلن اختلافي الكامل معه بخصوص هذه النقطة. أقول ذلك على الرغم من أني معجب كثيراً ببعض الجوانب الأخرى من فلسفته. وقد عبرت عن ذلك أكثر من مرة سابقاً. وبالتالي فنحن لن نتبع الغرب في كل تطرفاته وانحرافاته وصرعاته. سوف نأخذ ونترك. سوف نأخذ الصالح ونترك الطالح. لا أحد يستطيع أن يجبرنا كعرب وكمسلمين على ترك أخلاقنا المثالية الفاضلة وتقليد الآخرين في كل ما هب ودب! لقد مضى عصر الانبهار الأعمى بالغرب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف