• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

أيام في لندن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 30 سبتمبر 2015

لا أعلمُ سرَّ تلك المدينةِ الضبابيةِ لندن، تحتويكَ حاضراً وتفتقدكَ غائباً، تتنقلُ بين أحيائها العتيقة، وتسير في شوارعها الممتدة، وتطرب لحدائقها الغناء، وتسامِر ضفاف نهرها المملوء بالأسرار، تلتحف سماءها وتحتويكَ برغمِ أثقالك الحياتية وهمومِ رسالتك. تخترقُ ذاكرتك، تسألك عن القريبِ والبعيدِ، وعما حدثَ معك مُنذُ آخر لقاء، وكأنّها الحبيبُ والصديقُ ونبضُ القلبِ المطرد. لا أعلمُ سرَّ هذه المدينةِ التي تناديك إذا ابتعدت وتحتفي بوجودك إذا اقتربت.

في زيارتي لها هذا العام استحضرتُ سنوات البناء والعملِ والدراسةِ والرحيقِ المعرفي المفتقد، فحضرني قولَ الشاعر الراحل (نزار قبّاني) في وصفها» لندن تمنحني كلّ الثقافات... لندن تمطرني عقلاً».

لتعودَ بي ذاكرتي إلى صفحات الرحلةِ في تلك المدينةِ الساحرة، حيث كان شغفُ تحصيلِ العلم، ووضعُ اللبناتِ الأولى في جداريّةِ المعرفةِ وتمكين الذات، هو الهدفُ المنشودُ والأمرُ المحمود. أشعلت ذكرى تلك السنوات الخوالي بغربتها لهيبَ الحنين في قلبي لتحملني روحي بصحبةِ مرافقي في تلك الزيارة إلى جامعةِ لندن وكليةِ (الملكة ماري)، حيث كانت سنواتُ البحثِ والدراسةِ والتحصيل العلمي القائم على الجذور قبلَ أن تنتشر في مجتمعاتنا كليّات وجامعات. وتأخذني قدماي إلى أماكنَ أخرى لها في القلبِ بصمة، لأسرقَ من الزمنِ سويعاتٍ.

وسط انشغالي وانسجامي بروعةِ الطبيعةِ، حيث تداعبني قطراتُ المطر وكأنّ السماء ترسلُ تحاياها الحانيةَ لأهلِ الأرض في تلك المدينةِ الضبابيّة، لفت انتباهي الوجودُ العربي في طُرقاتها، فأينما تأخذك قدماك تجدُ العربَ حاضرين ربّما لأنَّ التحدّياتِ القائمةَ في منطقتنا العربية دفعت الكثيرين إلى التوجه صوبَ قلب أوروبا. لم أسمحْ لازدحام جدول أعمالي أن يحرمني متعةَ حضور إحدى الروائعِ التراجيديّةِ للعبقري المسرحي الإنجليزي وليم شكسبير، والتي تُعدُّ إحدى أهمّ الأعمالِ الكلاسيكيّة العالميّة التي ألهمت العديدَ من الكتابِ والمفكرين وأمدّتهم بخيوط الإبداع في مجالاتهم المختلفة، كما أنّها تعدُّ واحدةً من أهمّ الأعمال في الأدب الإنجليزي شعراً ومسرحاً ونثراً وروايةً وقصةً، وهي مسرحية (هاملت) الشهيرة.

هذا هو مختصر رحلتي مع (هاملت) لثلاثِ ساعاتٍ مضت تخلّلتها استراحة على مسرح Barbican في قلبِ لندن النابض بالمتاحفِ والمسارحِ والمكتبات والساحات الخضراء، غادرته وأنا أحملُ في قلبي كلماتٍ مفعمةً بعمقِ المعنى تردّدت على خشبته، لعلّ أكثرها رسوخاً في ذهني هي نصائح (بولونيوس) لابنه (لايرتس):

«أنصت إلى دعوى كلّ إنسان ولكن لا تتسرع في الحكم»

د. عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا