• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

طبيعة العصر فرضت قيماً جديدة عليها

العلاقة بين الجيران.. من دفء الحميمية إلى برودة الرسمية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 31 يناير 2014

أشرف جمعة (أبوظبي)- على الرغم من أن الناس على اختلاف مستوياتهم الفكرية يعرفون المقولة الدارجة على ألسنة البسطاء «النبي وصى على سابع جار»؛ إلا أن الواقع الحالي يؤكد أن هذه العلاقة الوطيدة التي شهدت مستوى رفيعاً على امتداد البشرية، أصبحت مفككة ولا ترقى إلى المأمول، إذ أصبح الجار لا يعرف من يسكن معه في الطابق نفسه ولا يكترث لحالات الفرح أو الحزن التي يمر بها، في تحول كبير في طبيعة هذه العلاقة شديدة الحساسية والتي كانت تتميز برهافتها ومستوياتها العاطفية الشفافة لكن على الرغم من هذه النظرة الواقعية، إلا أن العلاقة بين الجيران لم تصل إلى مرحلة الموات النهائي فلم تزل هناك مناطق مؤهلة تتحقق فيها منظومة القيم القديمة الأصيلة، وتحفظ كل الحقوق والواجبات المفروضة التي تخلق حالة إنسانية لم تزل تتمتع بكل مظاهرة الإخاء والود والتعاون.

حول علاقة الجيران ببعضهم بعضاً والتغيرات التي حدثت في محيطها في الوقت الراهن، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمارات الدكتور نجيب محفوظ «في الماضي لم تأخذ المجتمعات العمرانية هذا الشكل الذي وصلت إليه من التحضر الذي يغلب عليه الطابع العملي، لذا كانت العلاقات بطبيعتها متشابكة ومتداخلة في الماضي بصورة أكبر، فضلاً عن أنه كان من ضمن الأعرف في بعض المناطق أن رب الأسرة الذي يسافر إلى بلد ما ويغيب مدة من الزمن عن أهله كان الجيران يقومون بدورهم في الرعاية والتكافل، لكن في ظل كثرة السكان في أماكن التجمعات، وكذلك خروج الرجل والمرأة معاً إلى ميدان العمل، لم يعد هناك وقتاً ليحدث ذلك النوع من التقارب بين ربات والبيوت مع بعضهن بعضا، وهو ما أوجد نوعاً من العلاقات الرسمية بين البشر»، مستدركا: «لكن لا يزال الريف يتمتع بالشكل الحميم للعلاقة الراسخة بين الجيران في كل مظاهرها، وهو ما يؤكد أن هذه العلاقة التي تعد من صميم الدين الإسلامي، والتي يحث عليها بصورة دائمة لن تنهار كينونتها مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأحول».

ويتابع محفوظ: «علينا أن ندرك أن طبيعة المجتمعات الحضرية تختلف عن المجتمعات الريفية، إذ إنه في الأولى تصبح العلاقات بين الناس في الغالب ضيقة بحكم أن هذا المجتمع عملي والأفراد فيه لا يعرفون بعضهم بعضاً أما في المجتمعات الريفية فتكاد تسيطر عليها طبيعة الأسرة الواحدة المتشابكة المتقاربة في جملة العادات والتقاليد وهو ما يمنح العلاقة بين الجيران طابعاً يتسم بالشفافية والتعاون والتقارب أيضاً، ويلفت أستاذ الاجتماع بجامعة الإمارات الدكتور نجيب محفوظ إلى أن هذا العصر أسهم في وجود ظواهر جديدة لم تكن موجودة من قبل لها تأثيرات مباشرة على طبيعة العلاقة بين الجيران في هذا العصر فيكاد يلتقى الجيران على أبواب البنايات ولا يتبادلون حتى التحية مع بعضهم بعضاً، فضلاً أن صور العلاقات الإنسانية المتمثلة في مساندة الجار للجار في المواقف الصعبة لم يعد له وجود بالمستوى الذي كان عليه في الماضي.

ويبين محفوظ أنه من الضروري أن تعيد الأسرة نظرتها في منظومة القيم، وتبدأ من النشء بحيث تغذي الجوانب الإنسانية في فضاءاتها، وتغرس في نفوسها سلوكات أساسية كالتي تتعلق بالجار، كما أن وسائل الإعلام المرئية يجب أن تتبنى طرح موضوعات عبر الدراما السينما تعالج هذه الظاهرة، وتضع لها الحلول بما ينعكس على واقع المجتمعات، ويعزز ذلك الإعلام المقروء والمسموع، بالإضافة إلى دور المؤسسات الأسرية في تنشيط القيم وتعزيز السلوكات الإيجابية، التي تعيد علاقة الجيران إلى سيرتها الأولى.

جيران الماضي

تقول بثينة القحطاني، التي تبلغ من عمر 60 عاماً «ما اعتاد عليه كبار السن من ألوان المودة والألفة في حياتهم البسيطة وعلاقاتهم مع جيرانهم يضرب به المثل في هذا العصر، وعن نفسي أنعى هذه العلاقة الرحبة بتفاصيلها الجميلة التي عشتها قبل خمسين عاماً، حيث كنا نجتمع مع جيراننا، ونوزع على بعضنا بعضاً المأكولات، ونزين البيوت بشكل جماعي في الأعياد والمناسبات، ويقضي الأطفال أمتع أوقاتهم في البيوت المتجاورة، أما اليوم فهو الجفاء بكل معانيه المحمومة بين الذين تطل بيوتهم باتجاه بيوت الآخرين». وتضيف: «لا ينبغي أبداً أن تكون العلاقة بهذا الشكل بين الناس في حين أن أصحاب النبي صلى الله عليهم وسلم كان يظنون أن الرسول سيورث الجار فيهم من كثرة ما وصى بإكرامه ووصله».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا