• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

التعايش الوظيفيّ (1 - 3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 23 سبتمبر 2015

يَحارُ المرءُ في فَهمِ الكمِّ المتزايدِ من النزاعاتِ الوظيفيّةِ بين الأفرادِ في أروقةِ مؤسّسات العملِ المختلفةِ التي تتشابكُ الأدوارُ وتتعارض فيها المصالحُ لدرجةٍ قد تصلُ أحياناً إلى حدّ التناحرِ الإداريِّ والتّنازعِ التنظيميّ والصّراعِ الهيكليّ في هذه المؤسّسات.

في عالَمِ اليومِ ليسَ أمامَ الطامحينَ إلى التّميُّزِ خيارٌ إلّا التكاملَ والتّشارُكَ في مجتمعاتِهمُ الوظيفيّة، وتهيئةَ سبُلِ التواصلِ والتّعايُشِ فيما بينهم، حتى يتحوَّلَ هذا النزاعُ إلى تنافسيَّةٍ إيجابيَّةٍ تثري العملَ المؤسّسيّ، وتساعدُ على تحسينِ القدراتِ الإبداعيّةِ للموظّفين - رؤساءَ ومرؤوسين-لذا لا يمكنُ أن تتناغمَ القيمُ المؤسّسيةُ المرتبطةُ بالتميّزِ والإبداعِ والابتكارِ وروحِ الفريقِ مع تلكَ الصّورِ المتعدّدةِ والمتكرِّرَةِ من الخصومات الوظيفيّةِ التي نرصدها هنا وهناك.

وتجدرُ الإشارةُ إلى أن موظَّفِي شركاتٍ مثلِ (سامسونج الكوريّةِ)، والبالغُ عددُهم أكثرَ من 300 ألفِ موظَّفٍ يتعايشونَ في (سيمفونيّةٍ مُتْقنة)، تعزفُ أعذبَ ألحانِ الإبداعِ والابتكار، بفعلِ وجودِ قِيَمٍ حياتيّة واقعيّة تجمعهم، وتحقّقُ التّعايُشَ فيما بينهم، ما يقدم نموذجاً يحتذي به. وبنظرةٍ سريعة على واقعِنا المعاصرِ، نستطيعُ أن نرصُدَ –وبعينِ الموضوعيَّةِ - ظواهرَ عديدةٍ ربما كانتِ خفيَّةً غيرَ جلِيَّة، لكنها تَظهرُ هنا واضحةَ المعالمِ بيِّنةَ النعوت.

ويظهر الاحتكارُ المعرفيُّ والاستحواذُ المفرطُ للصّلاحياتِ بينَ رفقاءِ الوظيفةِ الواحدةِ على اختلافِ مستوياتِهمُ الوظيفيّة، نتيجةَ قناعةِ بعضهم بأنّكَ كلّما قمتَ باحتكارِ المعارفِ أصبحْتَ أكثرَ قوّةً وتمكيناً، وضمِنْتَ عُمراً أطولَ في وظيفتِك، مقارنةً برفقاءِ العملِ. وتلكَ نظرةٌ قاصرة، لأنَّ المعرفةَ لا تُعَدُّ معرفةً ما لم نتشاركْها معَ الآخرين، فالغديرُ المتدفّقُ تصنعُه حبّاتُ الماء، يقولُ رسولُنا الكريمُ صلى الله عليه وسلم في النّهيِ عنِ احتكارِ المعرفة: «ما آتى اللهُ عالماً علماً إلّا وأخذَ عليه من الميثاقِ ما أخذَ على النبيّينَ أنْ يبيّنوه للنّاسِ ولا يكتموه». (أخرجه أبو نعيم)

ويتعمد البعضِ أن تكونَ الاجتماعاتُ فرصةً لإيقاعِ الآخرينَ في حرجٍ من خلالِ التركيزِ على مواطنِ الخللِ والتقصير، وليس على تبنّي الحلول والتطوير، فيَمضي وقتُ الاجتماعاتِ في الخلافاتِ والجدليّاتِ والمخاصمات، بعيداً عن واحاتِ الإنجاز، ناهيكَ عن التحضيراتِ والائتلافاتِ التي تسبقُ بعضَ الاجتماعات بين (فرقاء) لا (رفقاء)، فتكونُ المُخرجاتُ بعد اجتماعٍ ما مزيداً من التوتّر في العلاقات وصفحةً جديدةً من صفحاتِ التناحُرِ الوظيفيِ، ما يجعلُ بيئةَ العملِ ساحةَ خِصامٍ قد لا يراها الكثيرون إلّا أنَّ لها تكلفةً باهظةً من عمرِ المؤسّسةِ ونموِّها المستدام. وفي مقابلةٍ مع بعضِ موظّفي شركةِ (جوجل) قالتْ إحدى الموظّفات: «حتى لو لم تدفعْ لي (جوجل) راتباً شهريّاً، فإنّني سأظلُّ أعملُ فيها» ذلك لأنَّها تمثِّلُ بيئةً صحيّةً واعدةً تتبنّى ثقافةً مؤسّسيّةً محورُها الإنسان.

عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا