• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

الشاعر السعودي يحكي عن كتابة تضرم النار في جسد القصيدة

زولي: نصّ واحد مأهول بالشعر خير وأبقى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يناير 2014

محمد خضر

بدأ الشاعر رويداً باتجاه الأرض حيث وعيه بأن الشعر تجربة حياة، وأن الشاعر جوّاب الأمكنة لا يتركها سوى بقصيدة يستلها من الأوجه في حزنها وفرحها وتقلباتها.

وفي حوارنا معه، نسف الشاعر غير قليل من المفاهيم التي ارتبطت بالشعر أو جرى ترويجها حوله.. فهو خلافاً لما يحب الشعراء أن يدعوه يرى أن الشاعر الحاوي صار محض ذكرى، ويؤكد أن الشاعر ليس بعيداً عن عالمه بكلّ تحوّلاته، ومتغيّراته.

إبراهيم زولي شاعر من جنوب السعودية، من جيزان «بلد الشعراء». بدأ عام 1996 بديوانه «رويدا باتجاه الأرض» ثم كانت «أول الرؤيا» ثاني تجاربه الشعرية لتتوالى مجاميعه بعد ذلك: «الأجساد تسقط في البنفسج» و«تأخذه من يديه النهارات» و«رجال يجوبون أعضاءنا» و«قصائد ضالة» إلى أن أصدر قبل أيام «شجر هارب في الخرائط».. حول تجلياته وعوالمه وفلسفته الشعرية كان هذا الحوار:

يقول الشاعر إبراهيم زولي ليس لي معنى جاهز أحاول إيصاله للمتلقّى، ولم يعد يغويني سؤال المتلقي في الذهنية التقليدية التي تريد مني أن أخرج تلك العصا السحريّة لأمنحه معرفة يجهلها من قبل؛ لست لاعب سيرك، ولا مفسّر أحلام، ذلك الإرث الذي يحمله الشاعر الحاوي «النبيّ» صار محض ذكرى. الشاعر ليس بعيداً عن عالمه والقصيدة مشتبكة مع هذا العالم، بكلّ سياقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، على الشاعر أن يواجه هذا التحدي مدجّجاً برؤية تمعن في نظرتها الجسورة للحياة، بعيون حادّة، وأصابع لا ترتعش أوان الكتابة.

قدر الشاعر أنه مصلوب في حقل الكلام، يرفع يمينه مهدّدا بالقصيدة، وطعم اللهب في فمه. هي فسحة من الكلمات، وقليل من الضوء النبيل؛ ذلك ما يدّخره الكتّاب في مواجهة العالم!

محرّضات الكتابة

◆ لنبدأ بالكتابة ومحرّضاتها وعوالم الطفولة التي تشكل ملمحاً في النصوص، وواحدة من مكوّنات التجربة، هل تخبرنا عن محرضات الكتابة لديك.. ولماذا الطفولة؟

◆◆ الطفولة ذاكرة مشاغبة تسترق الكلمات المخبّأة في ذمة البحر، وترشقها بالضوء الكريم. الطفولة كنز كامن بالشعرية لم نستنفد التعبير عنها حتى هذه اللحظة. الطفولة ثروة من الألوان الحميمة يتأجّج ألقها بالكتابة. هي واحدة من أولئك الذين يستطيعون إضرام النيران في بدن القصيدة، وينفخون فيها روح الحياة تارة أخرى. تلك الطفولة تلك التي لم تجف دهشتها في دمي بعد.

ومن المحرضات كذلك: الألم والمكابدة فهما يفتحان الجرح على بابه الواسع، والحشود الهائلة من الذكريات، والإعلاء من شأن التفاصيل الصغيرة، ورصد اليومي والمعاش. كما أن من المحرّضات الغريبة أن يكون كتاباً أو نصاً مفارقاً هو الباعث على الكتابة والعزاء أن نرفع أصواتنا جهرة بالقصيدة، لتنبت شجرة خضراء اسمها الحياة، ولو كانت على الورق فقط، أو جالسة في ملف أو مستند في جهاز الكمبيوتر. برفقة الكتابة نحلم بغيمة لا ترهن أمطارها، وعصافير تسخر من جبروت الأعالي وبالكتابة لن نكترث للثقوب الكثيرة في قميص الليل.

ينابيع القصيدة الأولى

◆ بدأت بكتابة القصيدة العمودية وكان كمن يستوقد ناراً من الصخر؛ حيث البحور الخليلة والأوزان والقوافي، والزحافات والعلل، ماذا عن تلك التجربة؟

◆◆ كنت مؤمناً أن القصيدة لابد أن تغتسل بينابيعها الأولى، لا أن تحرق المراحل، قرأت قديم الشعر وحديثه. منذ البدء وأنا أحلم بكتابة نصّ يمثّلني، نصّ يمثّل في الآن مرحلته وزمنه، لا أن يتنفس من فم أمرئ القيس، ويلتحف عباءة المتنبي، ويستعير تجارب الآخرين. كتبت الكثير من القصائد العمودية، التي مثّلت ببعضها الوطن في مهرجانين، أحدهما خليجيّ والآخر عربي، عقب ذلك فطنت إلى أن الذهاب بعيدا في هذا الشكل سيجعلني أكرّر خطابي، واستنفد لغتي، فاتجهت إلى كتابة النصّ التفعيلي في محاولة لاكتشاف مناطق أخرى، وآفاقا لم تمسسها أدواتي من قبل، وأصدرت عدة دواوين. ثم بدأت أشتغل على ديوان قصيدة نثر؛ قصيدة النثر ذات كلمات مغسولة بعناية، ونظيفة كطفل يذهب في يومه الأول للمدرسة، بإيمان كبير هدمت وثنية الإطناب، ولم تبجّل فجور الإيقاع. هي فيض المعنى في جمل قليلة. نشرت معظم نصوص العمل في صحف ومجلات عربية، كالسفير اللبنانية، والقدس العربي، ومجلة الغاوون، ومجلة الكلمة، ونزوى العمانية، وصحيفة الحياة. الشاعر مسكون بالتجريب، والمغامرة، لزاماً عليه أن ينفض الغبار الذي يعلق به بين فترة وأخرى، عليه ألا يفضّل الإقامة تحت سقف واحد، أو شكل يتيم لا يطاله التبدّل والتغيير. نصّ واحد مأهول بالشعر، خير وأبقى من قصائد مسكونة بالصراخ والضجيج.

◆ ماذا عن قلق الشعر وأسئلته، أين الشاعر في هذا الكون؟

◆◆ الشاعر الحقيقي في قلق دائم، وسؤال مسعور لا يكفّ عن ترديده، غير مطمئنّ لشكل ثابت، أو لغة وحيدة، وعليه إذا ما أراد أن يكون شاعرا أن يخجل إذا ما قرأ المنجز الإبداعي في المشهدين العربي والعالمي، حينذاك سيعرف أنه أعزل في مدن الشعر المضاءة بالعزلة والكلمات، إن السؤال باكتشاف الشعر في داخلي يتضاءل إلى حدّ الآن. لا يزال ذلك الهاجس يسكنني إلى اليوم في أن أصبح شاعراً. لم تبارحني الحمّى المسعورة في احتضان جسد القصيدة العصيّ.

◆ أصدرت سبعة دواوين، كيف تنظر إلى مسألة النشر وضرورة التأني في إعلان القصيدة؟

◆◆ لا أعدّ سبعة دواوين انهماراً شعرياً. لأنني من المؤمنين أنّ كلّ تجربة أو إصدار يمثّل مرحلته الشعرية، وبقاؤه رهين الإدراج يظلّ عرضة للتغيير والتحريف، وقد يأتي يوم ما ويتجاوزه المبدع، ثمّ يلقي به في سلة المهملات أو المحذوفات غير آسف عليه. وفي مشهدنا الثقافي قامات شعرية تأخّرت في مسألة النشر إلى أن راكمت من التجارب ما يتسع لأعمال شعرية كاملة، منهم مثالاً لا حصرا: محمد زايد الألمعي، وعبدالمحسن يوسف، وأحمد عائل فقيه، والشاعر الكبير محمد العلي الذي يكتب منذ ما يقارب نصف قرن، لم ينشر أعماله إلا قبل سنوات لا تتجاوز أصابع اليد. النشر فرصة للتخلص من تجربة، ومباشرة تجربة وحالة شعرية أخرى، وذهاب صوب النصّ الحلم بحبر متمرّد، حبر غير آسن.

◆ كيف يكتب زولي قصيدته البسيطة ببراعة ولغة جميلة؟

◆◆ القصيدة ليست قطّة أليفة تصطحبها سيّدة نبيلة حيث شاءت، وليست هشّة كسطح الماء كما يتوقع الكثير. القصيدة تحتاج وقتاً للتأمل، كما يتأمل المحاربون طرائدهم وخصومهم من فوهات بنادقهم ويبقى الشعر هو الكلمة السحرية التي نلوذ بها، عندما يخذلنا الواقع المعاش. الانفعال ومحاكاة الواقع لا تليق بالشاعر، وقصائد المناسبات الظرفية، لا تصمد أمام عوادي الأيام وتقلّباتها السريعة والمتعاقبة ومع ازدهار ثقافة التصفيق، على الشعر أن يلوذ بصمته الحكيم، وحكمته المضيئة، بعيداً بعيداً عن الهشيم. والكتابة الحقيقية تتكئ على علائقها المكينة بالذاكرة والتخييل، في مسعى حثيث لانقلاب ابيض على عالم متشظّ ومفكك، هاجسها ديمومة تتعالى على الزمن والظروف المرحلية.

القرى لم تعد قرى

◆ تقف كصرح في قرية ضمد، صرح من شعر وألق، كيف تنظر إلى المكان/مكانك أو قريتك؟

◆◆القرى لم تعد قرى، ولم تتحوّل إلى مدن بالمفهوم الواسع للكلمة، هي بين بين، في منطقة رماديّة بين الأبيض والأسود، كائن شبحيّ لا نستدلّ عليه، ولا يستدلّ علينا، قرى تشيح بوجهها عنا كلّ صباح مخافة أن نكشف زيفها وضلالها. القرية التي تسكنني؛ قرية من لغة وكلام مصفّى، قرية في خرائط المخيّلة، قرية يلوذ بها الشاعر من صخب جهنمي يضجّ في رأسه، قرية تسكن الكتب المستريبة، والتضاريس المارقة.

والعزاء «لنا نحن أبناء القرى»، ففي هذا الزمن كلنا نسكن في قرية واحدة في هذا الفضاء الإلكتروني، هذا الفضاء الذي أسقط معادلة المتن والهامش، وهشّم نظرية المركز والأطراف.

فضائل التكنولوجيا

◆ كيف ترى إلى دور شبكات التواصل الاجتماعي وأثرها على الإبداع والمبدعين؟

◆◆ من أهم فضائل شبكات التواصل الاجتماعي أنها هدمت تلك الوثنيّة التي كانت تستعبدنا، من أن حالة الإبداع شيء أشبه بالوحي ينتظره الشاعر آناء الليل وأطراف النهار، وأن هناك طقوساً يتوهّمها المبدعون للكتابة؛ وهذا ما يتبدّى لنا في زمن الشذرات، وقصائد الومضة، وكتابة الحالات الطازجة على تويتر وفيس بوك، تلك الكتابة الساخنة، غير المبرّدة والمحفوظة في الأوراق الصفراء، بالتأكيد، لم يعد للوحي والإلهام مكاناً يذكر.

◆ هل تشعر بالرضا عن تجربتك؟

◆◆ الشاعر الذي يشعر بالرضا عن تجربته يدقّ مسماراً في نعش تجربته الإبداعية، وحينذاك يسكن قبو النسيان للأبد. انظر الى الشاعر الكبير محمود درويش الذي سمّى ديوانه السابع «محاولة رقم 7» وكأن ما تقدّم من أعماله مجرد محاولات، فكيف بنا نحن الذين لم يستبح الشعر حياتنا بعد، ولم نقاسمه رغيف العمر، وفاكهة الصبوات؟!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا