• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

لماذا لم تنجح مشروعات الإسلام السياسي؟

الحداثة الإحيائية.. خللها بنيوي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يناير 2014

محمد وردي

بغض النظر عن الإخفاقات المتتالية، التي واجهت مشروع الحداثة الإسلامية، على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بدءاً من الصدمة الحضارية الأولى مع الغرب، التي تمثلت بحملة نابليون على مصر في نهايات القرن الثامن عشر، ولاحقاً بعثات محمد علي باشا، وما تلاها من غزو غربي مباشر، وصولاً إلى الاستعمار «العولمي» أو الحداثي المعاصر، ومروراً بتجربة حكم «الإخوان» في السودان، عبر تحالف البشير – الترابي، الذي انفضَّ بنهش لحم بعضهما البعض، وانتهى بتمزيق السودان إلى مِزقَتَين، واحدة في الجنوب، والأخرى في الشمال، وربما ما نسميه الآن الشمال، يلد بالمستقبل مِزّقَتَيَنْ أخريين، واحدة في الشرق البجاوي، والأخرى في الغرب الدارفوري، وهذه المرة يلد السودان الأم جناحين مسلميّن.. يا سعداه! وأخيراً الفِطام السعيد، بتجربة حكم الإخوان بعد ثورات «الربيع العربي» في تونس وليبيا ومصر.

نقول بغض النظر عن كل هذه التجارب «المتشائلة»، فإن المقولات الإحيائية الراهنة محكومه بحتمية الفشل – بالمعنى الثقافي - تأسيساً على تجربة ممتدة على مدى قرنين من الزمان - من دون أدنى مراجعة - قامت بجوهرها على «آلية النقل». لأنها تفتقد بالواقع إلى الإشراقات المعرفية الريادية، المنتجة للوعي الجديد، الذي يكتسب صفته الحضارية الكونية، من رؤيته الشاملة، لمشكلات الإنسان في كل مكان أو زمان، على أساس عقلاني واعد، ومقنع بقدرته على إبداع الحلول التي تقود إلى الرفاهية، وفق المناهج العلمية البحتة.

إن أدبيات المشروع الإحيائي منذ بواكيرها الأولى، التي بدأت مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، وتواصلت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وشكيب أرسلان وعبدالرحمن الكواكبي، ومن تلاهم ممن سموا أنفسهم إصلاحيين حتى يومنا هذا، لم تقدم أي شكل من أشكال الإبداع القيمي الجديد، على المستوى الأخلاقي، أو الديني، الذي يمكن أن يشكل إضافة حقيقية إلى الوعي الإسلامي، أو المعرفي ببعديه العلمي والفلسفي أو الفكري، وفي الوقت عينه قيمة مضافة للوعي الإنساني بشكل عام. ليس هذا فحسب، بل لم يقدم نموذجاً حداثياً ينطوي على بعض التجديد، الذي يتناغم أو يحاكي بحده الأدنى، الواقع الراهن بكل مفرداته بدءاً من الديمقراطية وحقوق الإنسان وصولاً الى دولة القانون والمواطنة، مروراً بالتنمية، المقياس الأهم بالنسبة للتطوير والتحديث. ذلك لأن المشروع الحضاري الذي حملت فكرة دولة الخلافة لواءه، انتهى دوره الريادي والتنويري في القرن العاشر الهجري، على أبعد تقدير - وليس مع سقوط الخلافة العثمانية - كما يريد أصحاب المشروع الإحيائي المتمثل بحركة الإخوان المسلمين، وأنصارها أو مؤيديها في الوقت الرهن - أو مع سقوط الأندلس - كما يريد بعض المؤرخين والباحثين المعاصرين - فتلك اللحظة الفارقة في التاريخ كانت بمثابة مأتم حزين لدفن الحضارة العربية والإسلامية.

محنة ابن رشد

المعروف لدى بعض الباحثين عرباً كانوا أم عجماً، أن إنجازات دولة الخلافة بعد القرن العاشر الهجري اقتصرت على التجميع، أو لمِّ الشتات الديني والعلمي والأدبي، الذي خلفه المبدعون الأوائل.

وإذا أردنا الدقة أكثر، فإن العقل العربي دخل في بيات شتوي عميق – لم يستفق منه حتى الآن - منذ بدء محنة ابن رشد، حينما أوغل «تيار النقل» في ظلاميته وتعسفه وأفتى بحرق إبداعاته الفلسفية والفكرية العظيمة. والأدهى والأمرّ أن هذه الجريمة حصلت في الوقت الذي كانت به طلائع التنويريين الأوروبيين ينقلون إبداعات ابن رشد من الأندلس إلى أوروبا تهريباً، ويتداولونها سراً، بعيداً عن عيون محاكم التفتيش بقيادة الكنيسة، التي لا تختلف عن محاكم «تيار النقل» المطالِب بدولة الخلافة حالياً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف