• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

دين وفكر

ليشهدوا منافع لهم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 18 سبتمبر 2015

من أصقاع الأرض، من كل فج عميق، تحركت القلوب، وانفعلت المشاعر، وبذلوا الأموال التي جمعوها للحج من سنوات، منهم من باع أرضه أو مزرعته، منهنَّ من باعت ذهبها، إنه الشوق إلى البيت العتيق {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]، لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال له ربه تبارك وتعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27]، ورد في تفسير الطبري أنَّ إبراهيم عليه السلام قال: ربّ ومَا يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ البلاغ فنادى إبراهيم: أيها الناس كُتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق فحجوا- قال: فسمعه ما بين السماء والأرض، ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه كلُّ من علم الله أنه سيحج إلى يوم القيامة، وقالوا: لبَّيك اللهمّ لبَّيك، فمن حَجّ اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذٍ.

إنَّ الحج عبادة عظيمة لها مقاصد كريمة، فالحج موسم إسلامي يجتمع فيه المسلمون، فيحدث التعارف والتآلف، وتبادل العلوم والمعارف، كلهم يهتف «لبيك اللهم لبيك»، سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، يسوقهم الحب لله، وهدفهم أن يفرغوا من أداء فريضة الحج وقد تطهروا من ذنوبهم وعادوا كما ولدتهم أمهاتهم، و(ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام) كما في موطأ مالك. كيف لا والحجاج والعمار وفد الله عز وجل وزُوَّارُهُ، إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوه استجاب لهم، وإن شَفَعُوا شُفِّعُوا.

وفي الحج أسرارٌ عجيبة، وتأملات مهمة، فكما سافر ببدنه عن بلده إلى مكة فعليه أن يسافر بقلبه عن الذنوب والمعاصي والشهوات، وإذا طاف جسده بالكعبة فينبغي أن يطوف قلبه فرحاً وأنْسَاً برب الكعبة، وإذا وقف الحاج بعرفة وهو يشاهد ازدحام الخلق، وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم، في صعيد واحد تَحُفُّهم رحمة الله وفضله وإحسانه امتلأ قلبه تعظيماً لله.

جَمَعَ الحجُّ من منافع الدين والدنيا الكثير، وهذه المنافع لا توجد في غير هذا العبادة، فمن العبادات ما شُرِعَ ابتلاء للأنفس كالصلاة والصوم، أو ابتلاء للأموال كالزكاة، أما الحج فقد اشتمل عليهما مع ما فيه من تحمل المشقة، والسفر عن الوطن، ومفارقة الأهل والأصحاب، وترك الأمور المعتادة. هنيئاً للحجاج، لا ينتقل الحاج من بيته متوجهاً إلى بيت الله إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه خطيئة، وكتب الله له بركعتيه بعد الطواف أجرَ عتق رقبة، وبطوافه بالصفا والمروة أجر عتق سبعين رقبة، ثم يباهي الله بأهل عرفة الملائكة، ويقول سبحانه: «عبادي جَاؤونِي شعثاً من كل فج عميق يرجون رحمتي، لو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له»، ويكتب الله للحاج عندما يحلق شعر رأسه بكل شعرة حسنة ويمحو بها خطيئة، فنسأل الله أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يحفظهم في حِلِّهم وتَرْحالهم، ومن فاته الحج فإني أسلِّيه بما قاله ابن رجب الحنبلي رحمه الله إذْ قال: «من فاته في هذا العام القيام بعرفة فلْيَقُمْ لله بحقهِ الذي عَرفه، من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزْلَفَه.. مَنْ لَمْ يقدر على نحر هديه بِمِنَى فليذبح هَوَاهُ هُنَا وقد بلغ المنى، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا