• الثلاثاء 06 رمضان 1439هـ - 22 مايو 2018م

نظراً لأثرها في التنشئة الاجتماعية

الأسرة تلعب دوراً مهماً في التفاعل مع وسائل الإعلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 25 سبتمبر 2011

لكبيرة التونسي

تشكل الأسرة الأرض التي يترعرع عليها الطفل وينمو، فيها يتعلم أبجديات الحياة الأولى، ومنها أيضا يستمد قيمه وأسس حياته التي سيتمر عليها، وهي أيضا مملكته الأولى التي تمده بمفاهيم التعامل، وهي التي تحدد النظام التربوي والفلسفة التربوية التي ينشأ عليها الأبناء وتشمل الفلسفة التربوية ما يسمى بالتنشئة الاجتماعية للصغار، ومنها تحدد تفاعل الأسرة مع الإعلام والتربية الإعلامية.

(أبوظبي) - احتلت وسائل الإعلام مكانة واسعة في الحياة اليومية للصغار والكبار، وباتت مساهما أساسيا في بلورة تفكير الأطفال، بل مؤثرا كبيرا في حياتهم، فكيف يمكن التعامل مع هذه الوسائل لاستفادة من تأثيراتها الإيجابية، وإبعاد سلبياتها عن محيط الأسرة؟

تدفق السلبيات

تقول الدكتورة هبة شركس مستشارة نفسية وخبيرة أسرية وتربوية وعضو هيئة تدريس بالأكاديمية الأميركية للعلوم والتنمية “يجب أن نحيط ببعض الأمور في تعاملنا مع الطفل فيما يخص وسائل الإعلام لوضع استراتيجية تحد من تدفق سلبياتها، ومنها رباعية التفاعل الواعي مع الإعلام، بحيث يجب أولا بناء شخصية سوية تحمل مبادئ وأهدافا وقدرات نقدية مهذبة وفاعلة، ثانيا، الإلمام بأبعاد التفاعل الواعي مع الإعلام، أما ثالثا يجب وضع استراتيجية للتربية الإعلامية، ورابعا يجب تطبيق الاستراتيجية وتقييمها، وتطويرها لتلائم المستجدات الإعلامية من جهة، ونمو وتطور أفراد الأسرة من جهة أخرى”.

وتُفصل شركس في كل خطوة، قائلة “بناء شخصية سوية تحمل مبادئ وأهدافا وقدرات نقدية مهذبة وفاعلة بحيث نبدأ برسم صورة كيف نريد أن يكون أطفالنا، بل وأمتنا جميعا، إننا نرغب في تنشئة جيل مثقف واع يحمل قيما ومبادئ ومعتقدات اجتماعية وثقافية ودينية سوية، متحضر متطور يتمتع بعقلية متفتحة، يعلم كيف يتعامل مع وسائل الاتصال والإعلام الحديثة وكيف يطوعها ويسخرها لخدمته وخدمة أمته، بدلاً من الإدمان على هذه الوسائل، إذن هذه هي ضالتنا إنها الموازنة بين القيم والمعتقدات والتراث من جهة والتطور والانفتاح على الآخر من جهة أخرى، وعليه يجب على كل أسرة واعية أن تحقق هذه الموازنة دون أن يطغى أي جانب على الآخر”.

وتشير إلى أن تسارع وانفجار وسائل الإعلام في المجتمع يجعل الأهل في حيرة، وفي هذا الإطار تقول “كثيرا ما يدور في ذهن الأهل هل نمنح أم نمنع وسائل الإعلام والاتصال لأبنائنا؟ وتقع الأسرة في حيرة من أمرها كلما ظهر في الأسواق وسيلة جديدة من وسائل الاتصال، وحسما لهذه الحيرة علينا أن نتذكر أثر تأخر دخول الطابعة إلى العالم العربي والإسلامي خوفا على تحريف القرآن وقطع أرزاق الكتبة، وما ترتب على هذا التأخر من ضرر وتخلف للأمة ما نزال نعاني منه حتى وقتنا الحالي، ومن هذا المنطلق ندرك استحالة تجنب أو منع تعرض الناشئة لوسائل الإعلام بصوره المختلفة”.

يجب على الأسرة قبل أن يشرع أبناؤها في استخدام وسائل الإعلام تعليمهم كيف يستخدمونها، وتأهيلهم للتفاعل الإيجابي عن طريق التربية الإعلامية الصحيحة، والتي تمر، وفق شركس، بالخطوات التالية “بناء العقيدة السوية والتأصيل للتوحيد والإخلاص، رسم خريطة العلاقة داخل الأسرة، والاحترام للوالدين، مع تعليمهم النقد المهذب البناء لكل ما يطرح عليهم من أفكار وآراء والابتعاد عن الطاعة العمياء حتى ولو كانت للوالدين فكيف بالأفكار الغريبة المطروحة في وسائل الإعلام، تعزيز الرقابة الذاتية لدى الأبناء عن طريق القصص، وضرب الأمثال، ودعم هذه الرقابة الذاتية بالرقابة الوالدية الداعمة مع بناء الثقة مع الأبناء، تعليم الأبناء وتدريبهم على الصلاة والتمسك بها، والإيمان بدورها في النهي عن الفحشاء والمنكر، تأصيل الدور الاجتماعي ومفهوم المسؤولية الاجتماعية لدى الأبناء، ومشاركتهم في العمل الجماعي والعمل التطوعي، ودعم قدرة الأبناء على تقديم النصيحة الواعية لغيره ما يأصل معتقداته ويقوى مبادئه ويرتقي بالذوق العام، تربيتهم تربية نفسية سوية قوامها الصبر والتأني، والتأكيد على وجود تحديات سوف تواجه الناشئة، وتعويدهم على الوعي بهذه التحديات والتسلح بسلاح الصبر لمواجهتها، غرس القيم الاجتماعية السامية في نفوسهم من التواضع وحسن التواصل مع الآخر.

تلقينهم مبادئ التوسط والاعتدال والبعد عن التطرف في القول والفعل”.

وتضيف شركس “لا يجب أن نغفل تلبية الاحتياجات التربوية والنفسية للأبناء، والوعي بمراحل النمو المختلفة وسرعة التطور العقلي والاجتماعي للأبناء ومواكبة الأسرة لهذا التطور، فما يحتاجه الطفل الصغير من دعم وتربية يختلف تمام الاختلاف عما يحتاجه المراهق، مع الوضع في الاعتبار تعزيز العلاقات الأسرية بالحوار الإيجابي المثمر الذي يعزز التواصل، ويوفر بيئة أسرية آمنة يسودها الود، والتعبير المهذب عن المشاعر والاحتياجات وتوضيح وجهات النظر بين أفراد الأسرة الواحدة”.

الآفات الاجتماعية

توضح شركس أن تنشئة الطفل في البيت التنشئة الصحيحة تجعله محصناً من الآفات الاجتماعية التي تنقلها وسائل الإعلام أحيانا، وخاصة إذا رجعنا للمرجعيات الدينية وللقيم الإسلامية. وتضيف “رسم لنا الدين الإسلامي أولويات التربية السوية، والتي هي بمثابة خارطة طريق، وتحصين ضد الآفات الاجتماعية بكل أشكالها ومستجداتها، وذلك في قوله تعالى من سورة لقمان وإذا قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنيّ لا تُشرك باللّه إن الشرك لظلم عظيم، ووصّينا الإنسانَ بوالديهِ حملتهُ أُمُهُ وَهْناً على وَهْنٍ وفِصَالُهُ في عَامينِ أنِ اشكرُ لي ولِوَالديكَ إليّ المصِيرُ، وإِنْ جَاهدَاك على أَنْ تُشرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم فَلا تُطِعهُمَا وصَاحِبهُمَا في الدُّنيَا مَعرُوفاً واتّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إليّ ثم إليّ مرجِعُكمْ فأُنَبِّئُكم بما كُنتم تعمَلونَ، يا بُنيّ إنّها إنْ تَكُ مِثقَال حبّةٍ مِنْ خَردلٍ فَتكنُ فِي صَخْرةٍ أو في السَّماواتِ أو في الأَرضِ يَأتِ بِهَا اللّهُ إنّ اللّهَ لطيف خبير، يا بُنيّ أقم الصَّلاة وَأْمُر بالمعْرُوفِ وأنْهَى عنِ المنكَرِ واصبِرْ على مَا أَصابَكَ إنّ‏َ ذَلِكَ مِنْ عَزِم الأُمُورِ، ولا تصعّر خدَّكَ للنَّاسِ ولا تَمشِ في الأَرضِ مَرَحاً إنّ اللّهَ لا يُحِبُ كُلّ‏َ مُختَالٍ فَخُورٍ، واقصِدْ فِي مشْيِكَ واغْضُض مِن صَوتِكَ إنّ أنكَرَ الأَصواتِ لصَوتُ الحمِيرِ”.

وتؤكد أن وعي الأسرة بأولويات التربية وتطبيقها على الأبناء من الأهمية بمكان لضمان التنشئة النفسية والاجتماعية السوية، وتحصين الأبناء ضد كل السلبيات الممكنة سواء على المستويين الاجتماعي أو الإعلامي، على أن تكون هذه الأولويات مشتركة بين الوالدين ولا يوجد تضارب وتعارض وازدواجية تربوية يتعرض لها هؤلاء الأبناء، سواء من الشخص نفسه، أو بين الوالدين، أو بين الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة، أو بين البيت والمدرسة، حتى يستطيع الناشئة تكوين صورة ورؤية واضحة حول الصواب والخطأ، وتكوين أفكار ومعتقدات سوية تمكنهم من مجابهة الازدواجية الإعلامية.

أساليب تربوية

تقول شركس إنه على الأسرة الاعتراف بوجود جوانب سلبية وإيجابية لتعرض أعضاء الأسرة لوسائل الإعلام. كما عليها أن إدراك استحالة تجنب تعرض الأولاد لوسائل الإعلام بصورها المختلفة بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وإدراك أهمية الأخذ بأساليب تربوية متعددة ومتكاملة لمواجهة تأثير هذه الوسائل بصفة سلبية على الأبناء، ووجود قدر من الاتفاق بين الوالدين في النظرة إلى وسائل الإعلام وفي أساليب التعامل معها، والاهتمام بتوفير الدعم العاطفي للأولاد كوظيفة مكملة لمهام التنشئة الاجتماعية، ومقاومة عرض كل ما يتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية والقواعد الأخلاقية الإنسانية سواء في وسائل الإعلام المحلية أو العالمية، والمشاركة الفعالة في مضمون وأساليب الرسائل الإعلامية.
 وتوضح شركس أن الاعتدال في التعامل مع الأطفال أمر مهم جداً في الحياة إذ يخلق التوازن فيها، وتستند في ذلك على آيات كريمة وأقوال. وتقول في هذا الصدد “قال الله تعالى “وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْـمِيزَانَ” “الرحمن”، ويقول سيد قطب - رحمه الله تعالى - عند هذه الآيات: “(وَضَعَ الْـمِيزَانَ): ميزان الحق، وضعه ثابتاً راسخاً مستقراً، وضعه لتقدير القيم: قيم الأشخاص والأحداث والأشياء، كي لا يختل تقويمها، ولا يضطرب وزنها، ولا تتبع الجهل والغرض والهوى، وضعه في الفطرة، ووضعه في المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسالات وتضمنه القرآن”. وتضيف “لكل شيء في الوجود ميزان يضبط تعاملنا معه، ويضع معايير ومقاييس تمكننا من تحقيق التوازن في جميع جوانب الحياة، والأسرة الواعية تحتاج ميزان يؤمن الاستفادة القصوى من وسائل الاتصال والإعلام دون الإضرار بالهوية والمبادئ والمعتقدات الاجتماعية ما يؤمن للأبناء التفاعل الإيجابي مع وسائل الإعلام والاتصال، ويمكنها من وضع آليات واستراتيجيات للتعامل مع وسائل الإعلام والاتصال المختلفة”.

محددات التعامل

تفيد شركس أن هناك محددات للتعامل مع وسائل الإعلام يجب تنفيذها من طرف الأسرة، ومنها ضبط التعرض لوسائل الإعلام المختلفة من حيث الفترة الزمنية، ونوعية المادة الإعلامية المعروضة، وعمر المتعرض وشخصيته، والوسيلة الإعلامية المستخدمة، كما يجب أن نتعرف على نمط التعرض: هل التعرض سلبي يقف فيه الفرد موقف المتلقي؟ أم تعرض تفاعلي يشارك فيه الفرد فيؤثر ويتأثر؟

وتضيف “يجب وضع قواعد وقوانين تضبط عملية التفاعل مع وسائل الإعلام بما يتناسب وقيمنا وعاداتنا، ونقد ما لا يتناسب معنا، وتجنبه عن اقتناع تام، ما يستوجب ضرورة مشاركة كافة أفراد الأسرة في وضع هذه القواعد لضمان تطبيقها. كما يجب تطبيق الاستراتيجية وتقييمها، وتطويرها لتلائم المستجدات الإعلامية من جهة، ونمو وتطور أفراد الأسرة من جهة أخرى. بحيث تطبيق الاستراتيجيات وتقييمها من حيث: التأكد من واقعية قواعد وقوانين ضبط التفاعل الإعلامي، وقابليتها للتنفيذ، والتزام الأفراد بقواعد التفاعل الإعلامي، ودراسة أثر الإعلام على الأسرة، وتقييم الإيجابيات والسلبيات، وتطوير الاستراتيجيات وفقا للمتغيرات الإعلامية، مثل “ظهور وسيلة إعلامية جديدة” كالبلاك بيري ورغبة أحد الأفراد في اقتنائه، أو نمو الأبناء ووصولهم لسن تؤهلهم لاستخدام وسائل لم تكن متاحة لهم في سن أصغر كالإنترنت”.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا