• السبت 06 ربيع الأول 1439هـ - 25 نوفمبر 2017م

الحالة الأميركية الحالية ليست صورة طبق الأصل من الحالة الألمانية. لكن صعود ترامب يمثل عرضا لأزمة مجتمعية مشابهة لما حدث مع هتلر في ألمانيا

دروس للأميركيين من «النازية»!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 12 فبراير 2017

نوح شتروت*

اليسار الأميركي يناضل لوضع استراتيجية للمقاومة ضد قائمة الأولويات المتشددة لدونالد ترامب وإدارته. وجناح من اليسار يدعو إلى تبني آليات الاعتراض التام على طريقة حزب «الشاي»، و«الديمقراطيين» في الكونجرس يتبنون فيما يبدو نهجا أكثر براجماتية. فمنذ تنصيب ترامب، تعهد «تشارلز شومر» زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ بأن تكتله مستعد للعمل مع إدارة ترامب في السياسات التي تتفق مع قيم «الديمقراطيين». وفي تاريخ ألمانيا في القرن العشرين دروس من مقاومة النازية قد تفيد الأميركيين. ورغم أنه يجب توخي الحذر عند المقارنة بين أميركا في عهد ترامب، وألمانيا في عهد أدولف هتلر، لكن هناك ما يستفاد من المقارنة. فلا يجب على اليسار مقاومة الإجراءات المتطرفة للنظام فحسب بل استقطاب «المحافظين» أيضاً لحشد ائتلاف مناهض لترامب. ويوضح النموذج الألماني أيضاً أن مثل هذه الائتلافات قد تتطلب تنازلات مؤلمة عن قيم محورية، وتحديداً من ذاك النوع الذي لا يرغب «الديمقراطيون» حالياً فيما يبدو تقديمه. ودراسة النموذج الألماني توضح أن القرارات الخاطئة لحركة المقاومة قد تضر بالبلاد لعقود.

فقد استولى هتلر على نظام ديمقراطي في غمرة أزمة، وكان الاستقطاب على أشدة بين السياسيين الألمان من التيار الرئيس في اليسار واليمين. فقد جادل اليسار بأن ألمانيا قامت على المُثل العلمانية للتعددية والاشتراكية بينما اعتبر اليمين أن المسيحية والرأسمالية هما أساس المجتمع القومي. لكن هتلر الذي كان من خارج التيار الرئيس ودون خبرة في الحكم، انتهز الفرصة ليتحالف مع اليمين ملقياً بمسؤولية الاستقطاب على عاتق اليسار. ولفترة قصيرة من الوقت، انعقد التحالف بين النازيين و«اليمينين» من التيار الرئيس. ووثق المحافظون في وعد هتلر بأنه سيعيد القيم المسيحية إلى المجتمع الألماني. ولم يعترضوا على الحكومة بقيادة النازيين حين اتهمت السياسيين من الجناح اليساري بأنهم خونة، وحين سُنت قوانين استهدفت عزل جماعات من المفترض أنها من النسيج الحضاري للبلاد. وبالمثل، التزم «الجمهوريون» في الكونجرس الصمت بعد أن أعلن ترامب الحرب على «الإعلام الليبرالي»، وحين انتقد بشدة موظفين مدنيين ووصفهم بأنهم «خانوا» وظائفهم وحين منع بعض المسلمين واللاجئين من الدخول إلى الولايات المتحدة.

وبدأ الضعف يدب في ائتلاف الرايخ الثالث حين رأى «المحافظون» أن زعيمهم الجيد لم يهتم كثيراً بالقيم المسيحية التقليدية. وبعد أقل من عامين في الحكم وبعد تصفية قوات الأمن النازية لعدد من السياسيين المحافظين الكبار، أوضح هتلر أنه يعتبر العرق وليس روح المسيحية هي المصدر الحقيقي للوحدة القومية. ووجد اليساريون الألمان أنفسهم أمام طريقين. إما تعزيز نضالهم ضد اليمين أو محاولة استقطاب دعم المحافظين الذين خاب أملهم في النازيين. واختارت أقلية من الشيوعيين في الأساس الطريق الأول، مستبعدين المحافظين من جبهة شعبية لمناهضة النازية ومصرين على التطبيق الصارم للقيم اليسارية مثل اشتراكية الثروة الخاصة والفصل التام بين الكنيسة والدولة. لكن غالبية زعماء الجناح اليساري اختاروا الطريق الثاني. وبدأت هذه الغالبية بين عامي 1935 و1945 بهدوء في استقطاب محافظين لبناء ائتلاف مناهض لهتلر والتخطيط لنظام ما بعد النازية. ولتحقيق الهدف طوروا أفكارهم ووضعوا سياسات تجتذب الألمان المتدينين. وهذا تضمن بعض التنازلات الأيديولوجية المؤلمة. فقد تخلى كثيرون من الزعماء من الجناح اليساري عن معارضتهم للدين في المدارس العامة، وتخلوا عن الهدف السابق لتأميم الصناعات الرئيسة. أما اليساريون المتشددون فقد اتهموهم بخيانة القضية الاشتراكية.

لكن بعد سقوط هتلر وانتهاء الحرب العالمية الثانية، ساعدت قرارات الجناح الأكثر انفتاحاً من اليساريين في تقديم أساس متين لما أصبح يعرف فيما بعد ألمانيا الغربية وألمانيا الموحدة حالياً في نهاية المطاف التي تعد بمعظم المقاييس واحدة من أقل المجتمعات استقطاباً سياسياً في العالم. أما المقاومون اليساريون ممن رفضوا الموائمة مع المحافظين فقد وجدوا أنفسهم معزولين ومعتمدين على دعم الاتحاد السوفييتي. وهؤلاء هم من انتهى بهم الحال إلى تأسيس ألمانيا الشرقية التي ارتبطت حياتها بالشيوعية الروسية.

والحالة الأميركية الحالية ليست طبق الأصل من الحالة الألمانية. لكن صعود ترامب يمثل عرضا لأزمة مجتمعية مشابهة لما حدث مع هتلر في ألمانيا. فعلى الأقل منذ ثمانينيات القرن الماضي، انتشر الاستقطاب بشأن القيم الأساسية للولايات المتحدة. وفي السنوات الثماني الماضية، شن «جمهوريون» ومتمردو «حزب الشاي» حملة لرفض التقارب مع اليسار. وهؤلاء أيدوا ترامب رغم شكهم في قدراته، لأنهم يعتقدون أنه يستطيع في نهاية المطاف تطبيق قائمة أولوياتهم دون تدخل من الجناح «اليساري». ويستطيع الليبراليون تقليد الجناح البراجماتي للمقاومة ضد النازية باستقطاب المحافظين. وهذا يتطلب أكثر من مجرد التقاربات العادية بين الحزبين. بل يعني العثور على أرض مشتركة في القضايا الاجتماعية ذاتها التي هيمنت على الحياة السياسية في العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. والتقاربات قد تكون شبه مستحيلة فيما يبدو في الوقت الحالي، لكن خطر ترامب على الجمهورية يتصاعد مع اتساع الشقاق الأيديولوجي بين اليسار واليمين. وكما يوضح النموذج الألماني، فإن التواصل مع الأعداء السابقين قد يكون وسيلة لتفادي السقوط في هوة سحيقة.

* أستاذ مساعد للتاريخ في جامعة «نورث كارولاينا ستيت»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا