• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

ضمير المخاطب في «اللص والكلاب»

دراما الغضب والنقمة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 سبتمبر 2015

د. خيري دومة*

حين صدرت رواية نجيب محفوظ صغيرة الحجم «اللص والكلاب» عام 1961، بعد سلسلة من رواياته الواقعية الممتدة من «القاهرة الجديدة» إلى الثلاثية، تلقاها النقاد بحفاوة بالغة، إذ استشعروا فيها تحوّلاً دالاًّ في فن نجيب محفوظ خصوصًا، وفن الرواية العربية على وجه العموم. ولقد عَبّر يحيى حقي عن رؤيته لهذا التحول في مقالته الشهيرة «الاستاتيكية والديناميكية في أدب نجيب محفوظ»، جاعلاً من «اللص والكلاب» نموذجًا عبقريًّا لما أسماه «الديناميكية». وكان من أخص خصائص الديناميكية التي رصدها يحيى حقي في «اللص والكلاب»، ذلك الانفعال الذي يتبدى في النص كله، بدءًا من عنوان الرواية، وانتهاء بالصور والمفردات والأبنية اللغوية التي ينطق بها الراوي وتنطق بها الشخصيات. غير أن أحدًا من الكتاب والنقاد - بمن فيهم يحيى حقي نفسه - لم يلتفت إلى الدور الذي لعبه استخدام ضمير المخاطب في تجسيد ديناميكية الرواية، أي ثورة الانفعال والنقمة المختزنة في لغة هذا النص القصير نسبيًّا مع أنهم التفتوا إلى ظواهر أسلوبية دقيقة ناجمة عن هذه النقمة الانفعالية المختزنة ذاتها، كـ«الإيقاع السريع»، و«السجع غير المتكلف».. إلى آخر الظواهر الأسلوبية التي لاحظها محمود الربيعي في «مونولوجات» سعيد مهران.

من الغريب حقًا أن أحدًا من دارسي نجيب محفوظ لم يلتفت إلى هذا الصعود الصارخ لضمير المخاطب، ومن الواضح أنهم تلقوه على اعتبار أنه تنويعة من ضمير المتكلم، سواء أكان يكلم نفسه، أو يكلم الشخصيات، أو يكلم القارئ.

والحقيقة أن تناول النقاد والكتاب لهذه الرواية يعكس مشكلة عامة، تتصل بنقد ضمير المخاطب في السرد، ذلك أنهم تناولوا «اللص والكلاب» بصفتها تحولاً في اتجاه المونولوج الداخلي وتيار الوعي، بحيث عَبَروا «الأنت» الطاغية على النص، ولم يلتفتوا إليها، لأنهم عدوها لونًا من «الأنا»، لونًا من كلام الأنا إلى نفسها.

لعبة الضمائر.. تناوباتها

تبدأ الفقرة الأولى من الرواية، شأن معظم روايات نجيب محفوظ الواقعية السابقة، على لسان راوٍ غائب يبدو عليماً، غير أن شيئًا جديدًا هنا يغير من مذاق السرد ولغته، أعني منظور البطل ونقمته التي تنضح بها اللغة المنضبطة الموقعة. يتلبس الراوي الغائب منظور البطل ومشاعره، نعم، لكنه يظل في الوقت نفسه مراقبًا من الخارج:

«مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكن في الجو غبار خانق وحرّ لا يطاق. وفي انتظاره وجد بدلته الزرقاء وحذاءه المطاطي، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدًا. ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويًا على الأسرار اليائسة، هذه الطرقات المثقلة بالشمس، وهذه السيارات المجنونة، والعابرون والجالسون، والبيوت والدكاكين، ولا شفة تفتر عن ابتسامة».. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف