• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

عن الزهد والزهّاد

تمارين التخلّي.. ترويض الجسد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 سبتمبر 2015

إبراهيم الملا

يتجلّى الزهد بإحدى معانيه الكبرى في مسمّى: (الإعراض) كمدلول يتجاوز اللفظ والمفردة والمجاز، ويتعالق عضويا مع الفعل الاختياري الشاقّ، ومع الطقس التطهّري المنهك، وصولا إلى الكمالات الروحية والنشوات السماوية الفردوسية، وينحو الزاهد إلى ترك الفائض والزائد، والقبض على الأصل الخالص، وهو جهد يتحقق بانفصال الزاهد عن فكرة التملّك والاستحواذ لما هو فوق الحاجة البسيطة للعيش والطاقة والحركة، وهو انفصال تحقّقه المكابدة، ويوسّعه الهجر، ويروّضه الصبر والنكران، والتخلّي عن كل ما هو جسدي وأرضي ومُدَنّس.

تعمل آليات (الزهد) في الاتجاه المضادّ للنزوع البشري المغالي والمتطلّب والشره، وهو نزوع شائع وطاغ على ممارسات الجموع والعامة، بما يشتمل عليه هذا النزوع من ترف وتلذذ حسّي ظاهري. تنطلق ممارسات الزاهد من (غائية) تتعارض وغايات هذه الجموع الثملة بنشوات مؤقتة، لا تدانيها ولا تجاريها النشوات الدائمة والعميقة المستورة وراء حجب ومكامن وظلمات، يسعى الزاهد لقطف ثمارها في ذلك الجانب الغائر والمحلّ السحيق.

يشير المدلول اللفظي لفعل (زهِدَ) إلى احتقار الشيء، أو التَّحرُّج منه، وترك الرغبة الملّحة والجامحة مخافة الانصياع لها والخضوع لوساوسها وإملاءاتها، ومن هنا فإن الزاهد يسعى لامتلاك الحرية من جانبها الأصعب قياداً والأكثر وعورة، فهو المرتحل دوما في درب الآلام، والقاطع وحيدا لوديان موحشة وأراض جرداء، لا ظلّ بها ولا ماء ولا زاد، وكأنه المقيم في زحام العزلة، وصخب الهدأة، وكأنه الصارخ في البرية والهائم فيها، بحثاً عن لمعة المكاشفات،، وبرق الرؤيا، ولذة العرفان، ومذاق السرّ الأكبر والاسم الأعظم.

الزهد والتصوف

يقول الباحث المغربي إبراهيم الورّاق في مقال له بعنوان: «جذور التصوّف»: «درج كثير من الباحثين على اعتبار التصوف ثمرة من ثمار الزهد، وهو استنتاج غير دقيق عندي، لأن التصوف عبارة عن الرياضات الروحية، والمجاهدات النفسية، والزهد يحصل بالاستنكاف عن الملذات، والإعراض عن زخرف الحياة، وقد يكون هذا ناتجاً عن خلل فكري، أو عن عقدة نفسية، أو عن غير ذلك، كما نلاحظ في كثير ممن اعتزلوا الحياة ليس من باب الزهد، وإنما لخلل في رغباتهم وغرائزهم ونفسيتهم، بينما التصوف، لا بد له من عيار التجربة والاختبار، حتى يصل الإنسان إلى نتائجه التي منها عدم الاغترار بملذات الدنيا».

وموافقة قول «الورّاق» يتطلّب وضع حد قاطع وشرط مانع يفصل بين الزهد والتصوف، وهو أمر لا يمكن تعميمه بالمطلق، فالرياضات الجسدية والمجاهدات النفسية، ليست حكراً على المتصوفة وحدهم، وهي ليست في مجال تقييد وإلزام وتصنيف كي تكون لصيقة بفئة دون غيرها أو معبرة عنها حصراً وتحديداً، كما أن العقد النفسية والاختلالات الفكرية لم يسلم منها شطر ملحوظ من المتصوفة أنفسهم، فهي عقد واختلالات لا يمكن ربطها بالزهاد كصفات غالبة عليهم وموصولة بهم، فالمشتركات والتماثلات بين الزهد والتصوف هي الأوضح سمة والأشدّ تعالقاً مقارنة بالتباينات والاختلافات المرتبطة بالتوصيف اللفظي وحده، وهو توصيف مهما بلغ من الدقة والمجاراة، لا شك عاجز عن إدراك جوهر التجربة الباطنية ومسالكها الخافية والعصيّة على الوصف. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف