• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

عن رواية «كتاب الرسم والخط» لخوسيه ساراماغو

اشتباكات الرّسم والكتابة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 سبتمبر 2015

إسماعيل غزالي

يبدو الهاجس الأوّلي لرواية «كتاب الرسم والخط» لخوسيه ساراماغو، هو القبض بالكتابة على ما لا يُقبض بالرسم. فالفشل الذي يعلنه الرسام «H» في انجاز لوحة للسيد «S»، يحاول أن يجد له معادلاً للظفر والنصر في الكتابة. كتابة نص فيما هو منخرط في رسم لوحة ثانية للسيد «S» دائماً. اللوحة التي لن يراها هذا السيد، ستكون محض تجربة ذاتية أيضاً لترميم خيبة اللوحة الأولى، ما يشبه تداركاً للعار الذي ألحقته إكراهات المهنة في إنجاز بورتريه رئيس شركة «إس بي كيو آر» أو ما يطلق عليه اسم رئيس مجلس الشيوخ الروماني.

إن رسم بورتريهات الوجوه الرسمية التي يحترفها الرسام «H» يفجّر (عبر الهذيان والاعتراف) الطبقات المتوارية خلف الأقنعة. فالموديل عندما يجلس أمام الرسام يشبه المريض في حضرة الطبيب النفسي وضربات الفرشاة على قماش اللوحة ما هي إلا أداة للغوص في لاوعي الموديل واستغوار لذاكرته وتفكيك لشخصيته وتعرية لما يختفي ويرسب ويعتمل في عتمات الداخل.

رسم بالإكراه

احتراف رسم الوجوه الرسمية هو فنّ ميّت، مهنة تضمن للموديل البقاء ولا تضمن له الفن بحسب أفكار الرسام المرعوب من الصحراء التي خلقها في داخله وهنا تعاسته الكامنة في الرضا الذي يحققه للموديل ولا يحققه لنفسه، الشيء الذي يدفع به لرسم لوحة ثانية خفية حتى يتصالح مع قلقه الجمالي والوجودي في آن، بالنظر إلى أن اللوحة الأولى، أنجزها تحت ضغط الإكراه، إكراه القواعد المتبعة لهذا النوع من المهن، إنها لوحة بشعة حسب اعتقاده لأنّها واضحة. بالمقابل عليه أن يبتكر لوحة غامضة في تجربة الرسم الثانية حتى ينجو بنفسه وينزاح بها عن مستنقع الفشل عبر ما يسميه «شهادة نصر شخصي». وإن كان يعي بأنه يحاول السير في الطريق الضال للكتابة فهو مسحور بالاستطرادات اللانهائية للنص الذي يكتبه، عكس اللوحات التي يجدها مغلقة على نفسها ولهذا تصده عازلة نفسها في جلدها. إنه فنان في تصنيف منحدر يعرف مهنته ولكنه يفتقر إلى العبقرية، يحاول كتابة كل شيء في حياة الموديل «S» لكي يفصل بين حقيقته الداخلية والقشرة اللامعة الخارجية، ثم ما يلبث أن يناقض الأمر ويعلن بأن مهنة الرسم تكفيه لتحقيق انتصار بسيط للتصالح مع نفسه. ثمة خوف عام واحتقار متبادل بينه وبين موديله، وما يجمع بينهما أكثر هو تعرفه على سكرتيرته «أولجا» حينما ذهب ليستكشف فضاء المؤسسة التي ستعلق فيها اللوحة، وعندما يستدرجها إلى بيته ستمارس معه الحب أمام صورة سيدها في العمل، كما لو كانت تنتقم منه ومن المؤسسة وسياسة البلد بأكمله.

و«أولجا» غير «أدلينا» التي تجمعه بها علاقة جنسية لا غير. مما يعزز من ضراوة الثنائيات ومفارقاتها اللاذعة، فكأن «أولجا» تتناغم وتجربة اللوحة الثانية الغامضة التي يصفها بالسحابة السوداء المنعزلة عن العالم و«أدلينا» تشبه اللوحة الفاشلة الأولى الواضحة التي يصفها بالجافة. يوازي هذا التأرجح المتوتر بين اللوحتين، انقسام مضاعف بين الرسم والكتابة إذ يتساءل: «من يرسم، يرسم نفسه، لذلك ليس الموديل هو المهم بل الرسام... فالدكتور جاشيه الذي رسمه فان جوخ هو فان جوخ وليس جاشيه»، وقس على ذلك رامبرانت وأعماله، لكن «هل سيكتب عن نفسه من يكتب؟ من يكون تولستوي في الحرب والسلام؟ وماذا يكون ستندال في دير بام؟». لا يروق للرسام أن يرى نفسه مرسوماً في صور الآخرين، وربما يروقه رؤية نفسه مكتوباً في النص الذي ينجزه كبديل لرسم نفسه في أكثر من صورة للآخرين، فهل الكتابة وسيلة للاقتراب من نفسه أكثر من الرسم فعلاً؟

تمارين للكتابة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف