• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لم يطلق أي فرد من «الحرس الثوري» الإيراني رصاصة على إسرائيل، وكثير منهم وصل إلى الأرجنتين، وقلب أوروبا، وبلدان أفريقية

تأملات في «محور الممانعة»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 15 سبتمبر 2015

تتأمل هذه السطور وبهدوء السياسات والمواقف التي تبناها «محور الممانعة» بقيادة إيران في العقد الأخير، وما أنتجته على الأرض من وقائع صلبة منافية ومضادة للشعارات التي تُرفع، أو حتى ضد الرغبات والتمنيات التي ربما كان بعضها صادقاً وجاداً. والافتراض النظري الذي تنطلق منه يأخذ الشعارات التي رفعها محور الممانعة في العشرية الأخيرة على محمل الجد ويفترض صدقها.

وبوصلة محور الممانعة كما نعرف جميعاً وكما هو معلن ومتردد بشكل يومي في خطابات أطراف هذا المحور هي مواجهة «إسرائيل». وبرنامج هذا المحور تبعاً لذلك يُفترض أن يكون خوض حرب كبرى ضد إسرائيل وتحرير فلسطين، ولكن هذا عملياً لم يحصل. وإذا قيل إن مطالبة محور الممانعة بخوض حرب كبرى وتحرير فلسطين أمر فيه تساذج كبير، فهناك ظروف وعوامل واعتبارات كثيرة تحول دون هذا في الوقت الحاضر، فمعنى ذلك أنه من حق من ينتقد هذا المحور وسياساته أن يعتمد على قاعدة الشك والتمحيص في كل الشعارات والادعاءات، وأن ينتهي ذلك كله بمحور الممانعة كما انتهت الأمور بكل الأنظمة والمحاور التي استخدمت نفس الشعارات ثم لم تنفذها.

وعلى كل حال، طالما أن التحرير صعب فقد تركز خطاب الممانعة على دعم «المقاومة»، وهو تعبير فضفاض وغامض يفتح الباب لتفسيرات وتأويلات لا تنتهي، ولكنه، وهذا هو المهم، يسمح بتمرير سياسات وممارسات عديدة، وإقامة تحالفات عابرة للحدود والوطنيات. والخلاصة أنه إذا كان بالإمكان افتراض جدية خطاب المقاومة والممانعة في فلسطين، ويترجم إلى دعم عملي للمقاومة، فإن توظيف نفس خطاب الممانعة في أي مكان آخر في المنطقة العربية يكون هدفه توفير غطاء لسياسات نفوذ وتعزيز مكاسب استراتيجية وغيرها، من لبنان إلى اليمن.

وأطراف محور الممانعة تتفاوت درجة «ممانعتها» وطبيعتها وتتباين أهداف كل منها، سواء أكانت دولاً أم منظمات أم ميليشيات. وإيران هي النواة الصلبة والموجه لهذا المحور، ويأتي بعدها نظام الأسد في سوريا، وبينهما النظام في العراق المنخرط في هذا المحور ليس لدوافع ممانعة ومقاومة إسرائيل بقدر ما هو تحصيل حاصل تفرضه حقيقة الخضوع للنفوذ الإيراني في العراق وتبعية الطبقة السياسية الحاكمة فيه. ويلي ذلك «حزب الله» في لبنان ثم في السنوات الأخيرة ظهرت جماعة الحوثي في اليمن. وفي فلسطين نفسها، حيث الراية التي يرفعها محور المقاومة، هناك «حماس» و«الجهاد الإسلامي». والأطراف الثلاثة الأهم في محور الممانعة هي إيران، وسوريا و«حزب الله».

وإيران طبعاً هي التي تستأثر بالقيادة والنقاش، لأن باقي الأطراف مجرد توابع تدور في الفلك الإيراني. ولنتأمل، ومن زاوية فلسطينية تحررية، الإنجاز الإيراني خلال السنوات المديدة من عمرها الممانع. منذ قيام الثورة في أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم مر أكثر من ثلاثة عقود ونصف، وخلالها لم يهدأ الخطاب الإيراني في تهديداته لإسرائيل، بما في ذلك التهديد بتدميرها والدعوة إلى محوها عن الخريطة. عملياً وعلى أرض الواقع لم يطلق أي فرد من «الحرس الثوري» الإيراني رصاصة على إسرائيل، وكثير منهم وصل إلى الأرجنتين، وقلب أوروبا، وبلدان أفريقية وأرجاء عديدة من العالم، لتنفيذ مهمات. لماذا لم تقم إيران بتحرير فلسطين وتنفيذ تهديداتها طيلة أكثر من ثلاثة عقود؟ لكن لماذا يوجه هذا السؤال لإيران وليس للعرب؟ الجواب لأن إيران هي التي حملت لواء الممانعة وهددت بتدمير إسرائيل.

المهم أن ما قامت به إيران خلال تلك الحقبة الطويلة كان في الواقع شيئاً آخر تماماً بعيداً عن تحرير فلسطين، وجله كان يحوم حول فكرة «تصدير الثورة» إلى دول الجوار التي احتلت جوهر خطاب الخميني ومن حوله ولم تختف عملياً في خطاب من خلفه. وما تشهده المنطقة العربية من حروب ودمار وتفتيت وانتشار للأطراف المنتسبة لـ«محور الممانعة» هنا وهناك هو الترجمة العملية لإنجاز «تصدير الثورة»، على رغم أن التعبير نفسه اختفى وحلت مكانه تعبيرات أخف مثل حماية المصالح الاستراتيجية لإيران.

أرادت إيران من خلال «دعم المقاومة» ورفع شعار الممانعة أن تحمل راية فلسطين الجذابة، ونجحت لسنوات ليست بالقليلة في الوصول إلى الرأي العام العربي عبر تلك الراية. ولكن مرة أخرى فالخلاصات على الأرض اليوم تقول لنا إن ما تحقق على جبهة «تحرير فلسطين» هو العكس تماماً: تعزز وجود إسرائيل، وتكرس احتلالها، وساهم التدخل الإيراني في القضية الفلسطينية في إحداث الانقسام الكبير والشرخ الرأسي في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، كما ساهم في فصم جغرافيتها أيضاً.

د. خالد الحروب*

*أكاديمي وكاتب عربي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا