رمز قديم متجدّد في المنظور المعرفي والثقافي والجمالي

(هي) في قصائد شعراء الإمارات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 سبتمبر 2011

أحمد علي البحيري

بعد أن أخذت المرأة كل حقوقها وتساوت الى حدّ كبير بالرجل أو كادت، يحسن أن نتذكر وحتى في البلدان التي تتغنّى بالديموقراطية أنّه ما زال هناك فوارق بينهما. للكاتب المسرحي الروسي أنطون تشيكوف قصة قصيرة بعنوان “العزيزة” يصوّر فيها امرأة تزوجت من تاجر أخشاب، فأحبته بجنون الى درجة أنها أصبحت لا تتكلم إلا عن الأخشاب، تشغل تفكيرها أثناء النّهار، وتحلم بها في الليل، ثم مات زوجها، وبعد مدّة تزوجت من مدير فرقة مسرحية فأحبته، حتى أصبحت لا تتكلم إلا عن شبّاك التّذاكر والجمهور، ولا تفكر إلا في العروض المسرحية التي يقدّمها زوجها، نسيت كل شيء من حولها، إلا المسرح ومشاكله، ثم مات زوجها، وبعد مدة قصيرة أحبت طبيبا بيطريا، فأصبحت لا تتكلم إلا عن الحيوانات وأمراضها... وهكذا.

يعلّق صاحب روايتي “الحرب والسلام” و”آنا كرنينا” ليو تولستوي (1828 ـ 1910) على قصة “العزيزة” بقوله: إن تشيكوف قد استطاع أن يصوّر المرأة على حقيقتها، فمهما تنوعت الأفعال التي تقوم بها، فسيظل عملها الرئيسي والأثير الى نفسها هو “البحث عن الحب” والبحث عن ذاتها في داخل الرجل، أنها وحدها قادرة على أن تمنحه هذا العطف الأنثوي، لأن الطبيعة قد وهبتها هذا الينبوع الذي لا يجفّ، ينبوع الحب والعاطفة، ومنهما يتفجر صراعها في المشهد الحياتي، والمشهد الابداعي أيضا.

ولقد كان تولستوي على حقّ، فمن المهد الى اللّحد يعيش الرجل بالحب الذي تمنحه إياه المرأة، فما هو شكل ولون وإيقاع هذا الحب لدى الشعراء في الإمارات؟ حيث تظهر تجليات وصور عديدة لها في فضاءات مخيلتهم الابداعية، فهي المعشوقة والملهمة والأم والأرض والوطن والبحر، كما جاءت في موازاة الطبيعة في تنوعها وجمالها وعذوبتها كصانعة للرجال والتاريخ.

وفي القصائد شكّلت “نصف الدّنيا” حضورا طاغيا، فمن كونها رمزا للأنوثة والجسد والهوية، الى كونها صورة لمكنونات الجمال والغضب والتمرد وروح المغامرة، فغدت جزءا مهما من مفردات القصيدة وتعبيرها، وبمقاربة ذلك على النمط الشعري العربي، هل يستطيع أحد منّا نسيان قصيدة عنترة التي استحضر فيها محبوبته الى ساحة المعركة حينما قال في تعبير أصيل وإحساس صادق:

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك

ان كنت جاهلة بما لا تعلمي

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

مني وبيض الهند تقطر من دمي

لكننا نودّ قبل الدخول في هذا الموضوع الإشارة الى أن صورة المرأة ومنذ عهود قديمة، شابها العديد من الإشكاليات سواء على مستوى وضعيتها الاجتماعية، أو على مستوى مكانتها الرمزية، لكن المجمل العام يؤكد أنها عبر امتدادات زمنية عانت من إشكالية “الدّونية” التي تأصلت في المجتمعات الشرقية، حيث سيادة الذكورية، وفي المستوى الابداعي لجانب التعبير الشعري، وجدنا العديد من الشعراء قد ارتقوا بالمرأة الى مكانة رفيعة، بل ومناقشة قضاياها وشؤونها، لتخرج بها بعض القصائد من مفهوم “الحريم” القاصر، الى مفهوم أكثر رقيا وعذوبة باعتبارها رمزا للوطن والأرض، ومن ثم تحريرها من اقطاعيات الذكورة، لتكون معادلا موضوعيا للعطاء والحرية والخصب من خلال البعد الرمزي للأنوثة، فهي ليست الجسد بقدر ما هي الروح في مكنوناتها، والعطاء الإنساني بشتّى مدلولاته ومكوناته.

المرأة الحكاية

احتلت المرأة لدى الشاعر الدكتور مانع سعيد العتيبة، مكانة خاصة، بل رسم لها في قصيدة له بعنوان “كتفاي عرشك”، صورة المعشوقة، ولكن سحر العتيبة في هذه القصيدة يبدو في رقته وشفافيته، وإيمانه العميق بكل ما هو جميل ونبيل وانساني، ولهذا جاءت المرأة عنده في غير قصيدة بمثابة “حكاية” معبّرة عن الواقع، والشراكة مع الرجل في تجاوز عتبات الحياة الموحشة. ويقول العتيبة متدفقا، منتشيا بوقع الهيام في محبوبة هي بالنسبة اليه ملكة ورمز وأسطورة، بل هي في الواقع صورة الحياة في تجلياتها المختلفة، بحيث تبدو في قصيدته “موضوعا” بحد ذاته، بل ملتصقة بلغة القصيدة وليست منعزلة عنها فتأتي ركنا أساسيا من البناء الهندسي لهذه القصيدة المفعمة بالمشاعر الإنسانية ذات الصلة بكل ما يوحي باحترام المرأة وتقديرها وتعزيز صورتها ومكانتها:

كتفاي عرشك فاجلسي وتربعي

وعن الحسان جميعهن ترفعي

الكبرياء على جبينك لائق

فتكبري ما جاز أن تتواضعي

هذا فؤادي في الطريق فرشته

فإذا شكا أو صاح لا تتوجعي

المرأة المحور

أما الشاعر كريم معتوق فقد نحى في العديد من قصائده باتجاه إخراج المرأة من دائرة “التبعية”، فهو ينتصر لها، ويجعل منها “محورا” في الحياة والتاريخ، فهي القوية في صورتها وإرادتها، وهي الثائرة على التقاليد البالية، بل ماهرة في لعب أدوار متعددة في الحياة والعشق والتحليق بقوة في فضاءات الرجل وافتتانه بعقلها وتفكيرها قبل أنوثتها، كما نلمح ذلك في هذه القصيدة الحوارية بعنوان “قالت لي الخنساء” بما تتمتع به من ثنائية المعنى وجزالة المفردة وثراء الصورة ما بين الماضي والحاضر:

ماذا تحب من النساء؟

قالت لي الخنساء سائلة

أحبّ تاريخ النساء

الواقفات على اللّظى

الصابرات على العناء

الكاتبات بصبرهن شهادة

تبقى مع التاريخ، ما بقيت فضائله

وصاخرة البقاء

والثائرات على الوصايا والحكايا

واشتداد القيد في زمن الغباء

ان واقع المرأة في الثقافة الشعبية المحلية، يعكس صورة مشوبة بالكثير من الظلال، وهذا ما تؤكده الدكتورة موزة عبيد غباش في كتابها “دراسات في التراث الشعبي لمجتمع الإمارات”، اذ تقول: “أحاطت بالمرأة مجموعة من الممارسات والعادات والمعتقدات الشعبية منذ بدء تكوينها جنينا في رحم الأم وسارت معها في كل مراحل حياتها، حتى يوم مماتها، فلها، ومن حولها يدور نوع من الممارسات التي تميزها عن الرجل، وهكذا تقدم ثقافتنا الشعبية صورا خاطئة عن المرأة، بحيث أصبحت المعادلة التي تبني دلالات إيجابية لموقعها الاجتماعي المعاصر محط تساؤل”.

المرأة الهوية

ومع هذا المفهوم يتقاطع الشاعر حبيب يوسف الصايغ، في العديد من القصائد، ومنها على وجه الخصوص قصيدته “زمن النساء” من ديوانه “رسم بياني لأسرار الزرافات” وفيها تبرز المرأة مثل وطن وحلم وتاريخ، ان لها عند الصايغ خصوصية وايقاعا يمثل “الهوية” والذاكرة وكل ما يسقط الرجال على عتباتها الوردية، انها في الواقع تمثل كيانا مستقلا، وانموذجا فريدا يسعى للخلاص وتحقيق الذات في عالم الذكورة، فيقدم لنا قصيدة جامعة من الحزن والحب، نحو حداثة رصينة:

ويسافرن في التيه

سر النساء عميق

ولهن المساواة حيث النساء وأشجارهن

سواء

والنساء الردى

النساء الرداء

الهوية أن نرتدهن كالموت أو كالهواء

الهوية نون النسوة وعمر النساء

شغلنا وهوانا وانقباض القلوب

وموت

ووقت يؤمثه حلمه، ويؤنثه ليله وشواطئه

المرأة الكيان

وينحو الشاعر سلطان العويس باتجاه الجمال الحسّي عند المرأة، فجمالها الأخاذ يشكل “سلطة على محيطها، وقد اكتسب هذا الجمال عند العويس مجالا رحبا من مجالات الغزل العفيف، الممتلئ دفئا وحنانا وعاطفة ورقة وعذوبة، وفي طقس وصفي بديع من قصيدة “التفاصيل”، يقدم لنا صورة تمجد كل جزء فيها، دون أن تفقد المرأة ملامحها الإنسانية، إلا أن تصوير الحب بالنسبة له كان بمثابة الغلالة التي ينفذ منها الى جوانية المرأة ومقدرتها على صناعة الحياة ذاتها، ومما قاله في جملة من قصائده نقتطف:

ضحكت والحسن لها برد

فتمايل كالبان القدّ

وأريج المسك لها نفس

وورود الروض لها خدّ

تخال الهمس من أنفاس ليلى

أريج الروض في فجر وئيد

ودار حديث أفئدة ونامت

عيون في عيون المستزيد

أو ما رأيت حريرها مسترسلا

يغري النسيم فيستجيب ويخفق

حور المها بالمقلتين ووجنة

ورد الخمائل للندى يتفتق

الى أن يقول:

دعوا الحب يأخذ ما تبقى فإنني

وجدت رماد الحب أقوى من الحب

ان مجال قصيدة الغزل رحب واسع عند الشاعر العويس، فلديه العديد من القصائد التي تقوم على ثنائية الحوار الأقرب الى لغة المسرح، ولكن في إطار ممتلئ بالصور الشاعرية على نحو قوله في قصيدته “صبابة في الهوى”:

قالت ألِفْتُكَ قُلتُ الحُبُّ ألَّفَنا

قالت فَديتكَ قلتُ الروحُ للفادي

قالتْ أتذكرُ؟ قلت: الوعد أذكرهُ

لمّا رأيتُكِ كان الوعد ميلادي

كُنتِ الأمانيَّ في روحي لأكتُبهَا

بمدمعِ العينِ يا تتويجَ إنشادي

ماذا سأكتُب هل حَرْفي تُفسرهُ

تَرنيمةُ الحبِّ في أفراح أعيادي

صبابةٌ في الهوى ظلّت تُسائِلُني

أين الشفاه التي يُروى بِها الصادي

المرأة التباريح

أما تباريح ووجدانيات الشاعر الراحل حمد أبو شهاب فجاءت في العديد من عناوين قصائده ذات البعد الجمالي والصورة الفنية الرحبة، التي تداخلت وجوانب وصفية مختلفة للمرأة كبناء أصلي في بناء القصيدة، كم أن الحبيبة هي مرادف لكثير من الأشياء العظيمة في الحياة، على نحو ما نجده في هذه الأبيات من قصيدته “كل يوم” وهي آخر قصيدة كتبها قبل رحيله:

كل يوم بك يزداد الفؤاد راحة

عليه ما مرت به من أعوام

مساه بك ينوّر ويشرق صباحه

ويختال بك بين الليالي والأيام

انته هوى روحه وبلسم جراحه

وانته عيونه لي بها يشوف وينام

وانت وسام الحب وانت وشاحه

تستهل وشاحه وتاجه والوسام

المرأة المكان

ويصوّر عارف الخاجة المرأة مكانا ووطنا، ومدينة كان يرتد اليها كلما ألمت به الخطوب، لقد كانت مدينة دبي بالنسبة للخاجة مثل امرأة جميلة قوية متدفقة، فكان يرى صورته فيها، فهي ذات ثقافة إنسانية أصيلة، وهي أيضا صورة للتفوق والشعور بالزّهو وتحقيق الذات، وهي بحر واسع غامض مليء بالأسرار والحكايات، وحين يصفها في إحدى قصائده فإنك على الفور تشعر بتلك الشعرية الجميلة في رصد المفردات والصور، بجانب اللغة الساحرة الجميلة المتدفقة في معانيها ودلالاتها الرمزية:

رفعت في بحرك المعطاء أشرعتي

وغصت حتى اضاء الدّر في لغتي

وسرت في روضك البسام أزمنة

حتى تفتح ورد الحب في شفتي

وقلت عنك أنيس لا مثيل له

فكنت أنسا رقيقا، كنت ومؤنستي

المرأة الهاجس

على مسافة غير بعيدة للحب والعشق والنساء حكايات ظريفة مع الشاعر المرحوم علي بن ثاني بن عبيد الرميثي الملقب بـ”بن ظاهر الصغير” (1898 ـ 1949)، فلم تشكل المرأة بالنسبة له إلا هاجسا، ونقيضا، وربما لم يكن على وفاق معها، وقد تجلّى هذا الفراغ وهذه الهوة في العديد من قصائده التي لم تخلو من الطرافة والفكاهة والهزلية، بجانب ما تتمتع به القصيدة من أجواء مفعمة بالحركة والتوجع، والمرارة الممتزجة بالسخرية ومما قاله في فتاة رفضت الزواج به:

يا بنت يا مزيونة

وشت تبغينه عليّ

شيبه وملح اعيونه

وفي وجهه لجدري

كما قال في العديد من المواقف التي تم رفضه من قبل نساء تقدم للزواج منهن:

حريم ما يبنّي يا الصديج

أنا مابا حريم ما يبنّي

لي ونّيت وآنا مستضيج

هن في فن وآنا فوق فنّي

أما ما همّني لال الصليج

وشوف اللال ورده ما يعنّي

وحول النساء البيض اللواتي رفضنه قال في قصيدة له بعنوان “البيض”:

البيض ما يبغن شراتي شيبه

يبغن صغير السّن لي ريّاني

لو هو عن العيّاب غطّى عيبه

غب اليبال وملاّ الودياني

ابالي خود عنيس نجيبه

أتقدم الترحيب للضيفاني

ولا بالي بنت زهوق عطيبة

يبطي قدرها م البخل حلياني

لكن هذا لا يمنع من أن بن ظاهر كان متعدد الزيجات، وفي هذا السياق يقول عنه الدكتور راشد أحمد المزروعي في السلسلة الخامسة والعشرون من “شعراء القبائل”: “كان الشاعر بن ظاهر الصغير يرفض أن يتزوج ممن لا تريده من النساء، ويقول ان الدلال والجمال المزيف غير راغب فيه، وهذا دليل على عزّة نفسه، كما أن زيجاته تلك دليل آخر على أيضا على ولعه وغرامه كشاعر بالمرأة الجميلة أيا كانت، وما كثرة زيجاته إلا دليل على هذا الاختيار والانتقاء في النساء، حتى أنه من كثرة زيجاته وطلاقه بات الناس يقولون عنه: بن ثاني يتزوج عند الفطور، ويطلّق بعد السّحور”.

المرأة المفتاح

وربما يكون الشاعر سالم بن محمد الجمري من أكثر شعراء النبط الإماراتيين اهتماما بباب الغزل والتشبيب، فقد شكّل جمال المرأة واحتل مساحة كبيرة من شعره، فقد تمتعت القصيدة في هذا الغرض النبيل بمفردات عذبة وسياق عاطفي متدفق رقيق، حتى وصف بأنه صاحب مدرسة شعرية جعلت من المرأة الجميلة مفتاحا لكل الأبواب والنوافذ نحو الشاعرية والوجد، وطلب الوصل، مستعينا بمناخات من أطلال جميلات الشعر الجاهلي الكثير من المعاني والرموز كقوله في قصيدة له بعنوان “أعفر” التي ربط من خلالها المحبوبة بحواف البداوة بما فيها من ظباء وصور متنوعة:

مرحبا بموّرد الخدّ اللبيب

لي عويده مثل عود الخيزران

بو بدايل ينحشن من كل طيب

دهن عود وعنبري مع زعفران

والحياي اسمر ومقرون عجيب

مع جبين كالبدر بالحسن زان

والوجه شمس تنحّت للمغيب

قبل تسم واصفرار الشمس بان

أدعج العينين له شكل غريب

أعفر الوجنات ترفات حسان

ومن ذلك أيضا، كما يتضح في هذه القصيدة التي يرتبط فيها جمال المرأة وما بها من أوصاف الأنوثة بما تحتويه الصحراء والبداوة من جمال وطبيعة وحياة لا تخلو من طيور راحلة بديعة الحركة في فضاءات ذات هواء ونسائم عليلة، فيما تجدر الإشارة هنا الى جزالة المفردات وحلاوة الصور الفنية التي يرسمها الجمري وتشتمل على ثنائيات بديعة تمزج ما بين المكان وصورة المحبوبة.

وربما يكون أجمل ما نظمه الجمري في العشق والهوى، ما جاء في قصيدة له بعنوان “هاف” وفيها يستخدم العديد من الألفاظ العميقة المعنى ذات الدلالات المركبة، على نحو قوله:

زرع قلبي هاف ما حدّ سقاه

وش حياة الآدمي عقب أصدقاه

صد بي والقلب ما ينقل عزاه

من افراقه كن في صدري فشع

أشعر بلعياه وجدي في الضمير

وآنس افوادي تعرّاه الفرير

من سبايب علّتي جرحي خطير

لو وقع في وسط جلمود انصع

المرأة اللوحة

وعلى هذا المنوال استقى الشاعر عبد الله بن سلطان بن سليّم أجواء قصيدته “يا طير” مستخدما الطير كرمز لبث مشاعره نحو محبوبته، في إطار يحدد تأثير الطبيعة والمكان في انتقاء المفردات وتحديد الصورة المتحركة الغنية بالتفاصيل، ليصبح مثل هذا الرمز عند الشاعر نوع من البوح الجميل، ولنسمع ما يقوله الشاعر من لحن الرّدح:

يا طير يا خفّاق في الحين

ردّ السّلام وردّ لرسال

سلّم على من له مدارين

لي ما ندوّر فيه لبدال

ان سأل عنّا كامل الزين

قل له ترى عن حاله انسأل

ما جدّ منزله وين

ساكن ولا له حدّ نّزال

وقد بدت المرأة لديه كلوحة تشكيلية بديعة تمتاز بالتنوع في العناصر واللون والحركة، وفي هذا السياق يتحدث الدكتور غسان الحسن عن مقدرة الشاعر على الوصف بقوله: “ولنا في الصورة التالية مثل جميل لمقدرة الشاعر عبدالله بن سلطان على الوصف وملاحظة أدق التفصيلات وتسجيلها في صورة حية تنبض بالحركة والألوان والأفعال وردود الأفعال، ان الشاعر ينقلنا في الأبيات التالية الى المشهد الذي يراه، فنرى ما يشاهده دون إغفال لأي من الجزئيات الدّاخلة في المشهد حتى حركة أثواب الفتيات بفعل الهواء، وما ينجم عن ذلك من تحديد لملامح الأجساد الجميلة التي تختفي وراء فضفاض تلك الثياب” (ديوان القريض ص 211):

اللي شرّفت في ناب اتعلّى

لشوف العين في دو ركود

انشوف ظعون نيّاع القفور

تزازى من هبوط بلا صعود

عليهن من عذارى تايهات

بزين وعين واهداب وخدود

تهب اللافحات الهن بدايل

ابزين وعين واهداب وخدود

ايردّ ثيابهن ليّ الينوب

اهضوم خصور وازموم النهود

نواشي من عواد ناشبات

من اتراب امزخّر كل عود

المرأة السحر

ومن أجواء البداوة والصحراء كان للمرأة حضور طاغ في نحو 15 قصيدة غزلية، ضمنّها الشاعر صالح بن علي بن عزيز المنصوري ديوانه الشهير “فارس الشعر”، وغزل الشاعر هنا نوع من التشبث بالجذور، وثقافة المكان، وفي هذه القصيدة التي تحمل عنوان “من قلب تلّته منّي امنيره” تستطيع التعرف على رهافة الشاعر، وجمال لغته من حيث تركيبها وأسلوبها من حيث سلاسة اللفظ وجماليات الصورة التي تليق بمجمل عناصرها بالمشهد الغزلي الجميل الذي رسمه لنا ضمن لوحة شاملة تبرز أهمية هذا اللون من النظم الشعري القائم على أجنحة الخيال الذي يأخذنا الى عالم سحري في بعض من خفقات القلوب ودفقات الوجدان، فضلا عن مقدرته على التجوال داخل المشاعر الإنسانية:

كم ليل مرّ واعيوني سهيره

والدّلية اللي رقد ماهوب داري

كن في قلبي من الوهج سعيره

وكن في قلبي تلكّيز اللباري

انظروا في جاله قدها خطيره

وين طب العوق والمصيوب قاري؟

يا وجودي وجد منهو ضاع طيره

وهرّفت شمسه وقافية الغداري

ملّ قلب تلّته منّي امنيره

تل وسق يشتكي طول المساري

المعنق عنق ريم مستذيره

والعيون اعيون صيّاد الحباري

دانه وسط البحور اللي غزيره

ما تسوّم بين بياع وشاري

لبعض الشعراء الشباب نظرة خاصة الى المرأة، بل وإلى جمالها، والى القصيدة التي تخاطبها وتناجيها، ومن هؤلاء الشاعر حسن التّفاق الذي يكتب “قصيدة الحكاية” بأسلوب عصري، فيه نبرة من السخرية والتهكم للوصول الى غايته المنشودة، لكن المرأة بالنسبة اليه في النهاية مخلوق ساحر بديع يتفوق في تكوينه على ليلى العامرية، في قصيدته المختارة “ما أجمل المرأة” نوع من التناص، واستخدام تقنية المقاربة لتقديم صورة نوعية للمرأة بتأثيراتها الشرقية من خجل وحياء وأنوثة طبيعية:

هايم في وسط صحرا أو على ظهري الرداء

ممتطي صهوة حصاني أطوي دروب السّوية

أما انتي ما أظنج ضمن أصناف النساء

لأنج أكبر في عيوني من مجرد أدمية

لو ظهرتي في حياة العرب قبل الأنبياء

واستقرت ذكرياتج في عصور الجاهلية

كان شفتي كل شاعر ينبذ أسلوب الهجاء

وكان قيس بن الملوح عاف ليلى العامرية

ما أجمل المرأة لين تحلّت بالحياء

وما أبشع المرأة تصافح كل ايد (ن) أجنبيه

نصل من كل ذلك في هذه الموضوعة المتعلقة بنظرة شعراء الإمارات للمرأة وتناولها كثيمة رئيسية في قصائدهم، الى أنه كان هناك نوع من التعددية في أسلوبية الطرح والتناول، بما يؤشر أنهم اهتموا بهذا الجانب اهتماما نوعيا، فلم تكن المرأة مجرد جمال جسدي بقدر ما كانت في تجلياتهم مخلوق انساني ذا كيان يحمل خصوصيته وإشكالياته، وأن جمالها الذي حباها به الله والطبيعة غلف بغلالة من البهاء والهيبة، وبقليل الاهتمام بالجانب الحسّي لهذا الحمال الأنثوي الذي ارتبط أيضا بالأرض والوطن والصحراء والبداوة، ولهذا التنوع برزت دلالات عديدة. لقد تناول شعراء الإمارات موضوعا شائعا تناوله قبلهم شعراء الجاهلية، وشعراء من كافة المدارس الأدبية عبر التاريخ، لكنهم في الواقع تناولوا هذا الجانب على نحو شعري خلاّق حقق لقصائدهم نوع من التميز والفرادة على نحو مؤثر من حيث اللغة الرشيقة والصورة الفنية والمفردات.

لم نقدم في هذه القراءة كل شعراء الإمارات فذلك من ضرب المستحيل ولكننا قدمنا نخبة مختارة منهم ومن أجيال مختلفة لنضع صورة وملامح لصورة المرأة في الخلق الشعري.

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف ترى الإبداعات التي تنشر في الملاحق الثقافية؟

ممتازة
جيدة
مقبولة
ضعيفة