• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

الموقع الاستراتيجي لصربيا يجعلها محوراً مهماً في محاولات الصين لربط مشروعها «حزام – طريق واحد» بأوروبا الوسطى، وبناء على ذلك، نقطة طبيعية إلى الاستثمارات الاقتصادية الصينية والبنية التحتية

صربيا.. حليف الصين في شرق أوروبا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 مارس 2016

صامويل راماني*

في الخامس من فبراير الماضي، أدلى الرئيس الصيني «شي جينبينج» بتصريح رسمي اعترف فيه بعيد استقلال الدولة الصربية، وفي البيان الصحافي الذي أعقب التصريح، سلط «شي» الضوء على عمق التعاون بين الصين وصربيا في السنوات الأخيرة، وأعاد تأكيد عزم الصين توسيع العلاقات الاقتصادية مع صربيا خلال السنوات المقبلة. جاء هذا البيان في أعقاب إعلان السفير الصيني لدى صربيا «لي مانشتانج» أن الشركات الصينية تخطط لضخ استثمارات ضخمة بهدف إنشاء المجمع الصناعي في صربيا، بهدف جذب المستثمرين الصينيين إلى الدولة، ولعل تقدم هذه الاستثمارات تأكد بصورة تكتيكية بقبول «شي» لدعوة من نظيره الصربي «توميسلاف نيكوليك» لزيارة بلجراد خلال العام الجاري، وهذا يؤكد موقف صربيا باعتبارها الحليف الأقوى والأكثر اتساقاً في أوروبا الشرقية، ويمكن تفسير قوة الشراكة الصينية الصربية بعاملين أساسيين. الأول: أن البلدين متوافقان بصورة اعتيادية بشأن قضايا السيادة ووحدة الأراضي، وهو ما يفضي إلى دعم كليهما للآخر بشأن كوسوفو والتبت وشينجيانج. والثاني: هو أن الموقع الاستراتيجي لصربيا يجعلها محوراً مهماً في محاولات الصين لربط مشروعها «حزام – طريق واحد» بأوروبا الوسطى، وبناء على ذلك، كنقطة طبيعية إلى الاستثمارات الاقتصادية الصينية والبنية التحتية.

وتبلور التحالف الصيني الصربي أثناء حقبة التسعينيات من القرن الماضي، عندما تعرضت كلتا الدولتين لهجوم شديد من الغرب بسبب رفضهما منح الاستقلال إلى مناطق حكم ذاتي تحت سيطرتهما، وبسبب انتهاكات حقوق الإنسان تجاه الأقليات. وساندت الصين بقوة نظام «سلوبودان ميلوسفيتش» أثناء أزمة كوسوفو، زاعمة أن القوات شبه العسكرية الصربية كانت تتدخل في كوسوفو لمنع الانفصاليين الألبان من انتهاك سيادة يوغوسلافيا، وأضحى تأييد «ميلوسفيتش» بارزاً بصورة خاصة أثناء قصف «الناتو» لكوسوفو عام 1999، بينما اعتقدت الصين أن «الناتو» لم يكن لديه حق قانوني يمكنه من قصف أهداف عسكرية صربية.

وتأكد الاستهتار المتصور للتدخل العسكري من قبل «الناتو» في كوسوفو في عيون صناع السياسة الصينيين بعد القصف «غير المقصود» للسفارة الصينية في بلجراد. وأصرت الولايات المتحدة على أن هذا القصف كان نتيجة لقدم خرائط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه»، ولكن الحكومة الصينية ربطت هذا الحدث بصورة غير رسمية بالانتهاكات الأميركية واسعة النطاق لسيادة صربيا، وفي الحقيقة، زعمت تقارير لاحقة أن السفارة الصينية كانت تستخدم كمركز اتصالات داعم للجيش اليوغوسلافي.

واستثمرت الصين 300 مليون دولار في الاقتصاد الصربي في ديسمبر عام 1999 للحيلولة دون اندلاع أزمة مالية مزعزعة للاستقرار، ودأبت وسائل الإعلام الحكومية في الصين على وصف «ميلوسفيتش» بأنه يقود حملة ضد الاستعمار الغربي وانتهاكات القانون الدولي. وزادت قوة تحالف الصين مع صربياً وضوحاً عندما قررت الصين دخول تحدٍّ قانوني بشأن انفصال كوسوفو من خلال محكمة العدل الدولية في ديسمبر عام 2009، وكان الهدف من هذا التحرك غير المسبوق هو منح شرعية قانونية لحق صربيا في ضمان سلامة أراضيها، وبالطبع، يرتبط رد الصين المتنمر تجاه إعلان استقلال كوسوفو بمخاوفها من تكرار الشرعنة الدولية لانفصال كوسفو عن صربيا في أراضٍ ذات حكم ذاتي خاضعة لسيطرة بكين. وربط وزير الخارجية الروسي «سيرجي لافروف» علانية بين قرار كوسفو والاضطرابات في إقليم التبت في مارس عام 2008، وأوضح أن تأييد الصين لبلجراد يمكن تفسيره برغبتها في تفادي إرساء سابقة يمكن أن يستغلها القوميون التبت. وللمصالح الاقتصادية التي تدعم التعاون الواسع بين الصين وصربيا، منذ أن أسس البلدان شراكة استراتيجية عام 2009، أوجه متعددة وجوانب متنوعة، وكانت استثمارات البنية التحتية عنصراً محورياً في هذه الشراكة، لأن الصين تسعى إلى إنشاء خط سكة حديد يربط بين بلجراد وبودابست، وخطوط سكة حديد فرعية في أنحاء صربيا يعطي مشروعها المعروف باسم «حزام واحد – طريق واحد» موطئ قدم في دول البلقان. وأجرى البلدان مفاوضات في ديسمبر عام 2014 تهدف إلى تسهيل تقدم مشروع إنشاء السكة الحديد، وسلطت الضوء على قدرة صربيا على أن تكون محور ارتكاز في شبكة تجارية تنقل البضائع المصنوعة في الصين إلى اليونان وأوروبا الوسطى. وجذبت المقترحات الاستثمارية الصينية أيضاً اهتماما شديداً من دول أخرى في جنوب شرق أوروبا مثل رومانيا ومقدونيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك، ويوضح ذلك إمكانية كبيرة لتوسع النفوذ الصيني الجيوسياسي في المنطقة حال استمرار تقوية علاقة بكين مع صربيا.

ولطالما كانت استثمارات البنية التحتية الصينية بوابة للجهود المكثفة لتنويع الاقتصاد الصيني، حيث أسفر «جسر الصداقة الصيني الصربي» في عام 2011، الذي أنشأته شركة مملوكة للحكومة الصينية ومولته بنوك صينية، عن زيادة استثمارات بكين في الطاقة الصربية، لا سيما مع نجاح إنجاز محطة الطاقة الحرارية.

* باحث دراسات روسيا وأوروبا الشرقية في كلية «سانت أنطوني» بجامعة «أكسفورد»

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفيس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا