• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

مشهد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 13 سبتمبر 2015

أتضوّر جوعاً وأشتعل غضباً وشيء ما كالسيف يفتك بضميري ويستفز ما بقي من أعصاب حيّة في شرايين كياني. لم أستطع أن أغذّي نفسي النباتية ولا أن أهدّئ من روع نفسي الخيالية ولا أن أتملّك حالتي العقلية.

في الصباح كنت أناقش مع طلابي معنى الأخلاق وكيف أن الأخلاق، وفي قمّتها الإحسان، تشكّل جوهر الدين، وفي المساء رأيت منحدراً أخلاقياً فظيعاً. صورة ليست مثل باقي الصور التي تتناقلها عادة وسائل الإعلام والمنتديات الاجتماعية بإسهال. مشهد فظيع يعكس مستوى انحدار الأخلاق في الإتسان بما هو إنسان: مشهد جثّة ملاك ألقته أمواج البحر على شاطئ الإنسانية. يا لهول الإنسان فينا، إن وجد!

في الليل، نام الملاك الطيّب وعادت العصافير إلى حظيرة السماء رفع النوم رحمته عن عينيّ، فوجدت نفسي وحيداً أمام بشاعة العالم. صورة معلّقة بعناية على الحائط أمامي في غرفتي الداخلية. حاولت أن أوقظ عقلي وأدفعه إلى استطلاع الأسباب علّني أجد فيها بعض الأعذار. ولو لنفسي على الأقل، لكي أتحرر من هول ما أصابني، فاستعدت بعض ما درسته من مواد المنطق ودروس التاريخ والجغرافيا وعلوم الطبيعة والإنسان وتعاليم الأديان والفلسفات القديمة والحديثة والثقافات الشعبية الإسلامية وغير الإسلامية، ولم أجد ما يريح فهمي لكي أتفهم الأمر وأرتاح في الأخير.

قلت هو مشهد مثل باقي المشاهد، وما أكثرها! بعضها مألوف، صار جزءاً منّا مثل حنظلة، وبعضها نعايشها عن قرب ونشارك في صنعها، وبعضها يأتينا على الهواء فيصفعنا ويزلزلنا مثل العاصفة، وبعضها الآخر، حتى لا أقول أكثرها، يحدث في صمت وفي غفلة عن أعين الشاشة، فلا نسمع عنه ولا نراه، إنها مأساة أخرى مثل باقي المآسي، والتاريخ البشري تاريخ المآسي بامتياز، أليس كذلك؟ نعم، لكن، لا. ثمة شيء أقوى في هذا المشهد، إنها علامة انحدار كبير، شهادة حزن مخيف، وحي جديد ينبئ بمصير بئيس.

في مقهى باباروتي في مشرف مول، ألحّ عليّ صديقي سعيد أن يسمعني قصيدة مؤثرة في الموضوع. وأشار عليّ بالنظر مرة أخرى في الصورة، وأنا كنت قد شربت خمرها إلى درجة الصحو. فرفضت، صحت في وجهه أن أتركني، لا أستطيع أن أنظر فيها أكثر، يكاد رأسي ينفجر من هول المنظر. ما عمل الشاعر سوى أن أفرغ غضبه في القصيدة، فأين يا ترى أفرغ غضبي؟

وأنا أقود سيارتي عائداً إلى المنزل، كانت الصورة تزيّن جنبات الطريق، كنت أستمتع حقاً بجمال المشهد، لوحة فنيّة تستحق أن توضع في متحف الإبداع الإنساني، نفتخر بها أمام أمثالنا من البهائم الكاسرة.

كنت أتأمل اللوحة البهيّة عندما اكتظت الطريق فجأة ووجدت نفسي وسط قوافل مهاجرين يجابهون أمواج البحر وحرّ الشمس وآلام الجوع والعطش، سألت أحدهم عن الطريق فدلّني عن طريق حجّ لا أحد يعرف مكانه ولا شعائره، غاية واحدة تحدد المسير والمصير: الهروب، ولا شيء غير الهروب من الجحيم. لكن إلى أين؟ إلى أي مكان آخر، ولو إلى جحيم أخفّ وأرحم!

في السرير، كنت أحدّق في الصورة أمامي مثل مرآة. واجماً بقيت أحدّق فيها حتى بعد أن أبعدتها عن بصري بعنف. ما استطعت نوماً ولا أكلاً ولا قراءة ولا كلاماً ولا حتى زفيراً عادياً. شيء ما يجثم على صدري ويخنقني بقوة هذا المساء. شيء يدعوني إلى الصياح في منتصف الليل بصوت الكتابة. هي صورة، لاشيء أكثر من صورة واحدة، لكنها صورة تلخّص كل مأساة الإنسان. صورة جثة ملاك رماه البحر إلى الشاطئ بلا روح وبلا حياة مثل صدف البحر الفارغ. صورة أرى فيها طفلي، أرى فيها نفسي، أرى فيها الإنسان وقد حقق حتفه الأكبر. فطوبى لنا جميعاً، مرة أخرى، بهذا الإنجاز الفني العظيم.

سعيد البوسكلاوي - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا