• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

فنّ قراءة اليوميّ

في مرايا الأيّام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 مارس 2016

العادل خضر

يمثّل القرن العشرون منعرجاً حاسماً في الفكر الغربيّ هو المنعرج اللّغويّ، فقد وقع كلّ شيء في قبضة اللّغة، فصارت كلّ الظّواهر تقرأ بوصفها كلمات وعلامات ونصوص وخطابات، بما في ذلك اليوميّ، فقد أضحت حوادث الأيّام، وما يجري في كلّ يوم وما يجدّ فيها من أحداث لافتاً للنّظر. فبات الحديث عن الرّاهن اليوميّ ظاهرة لافتة للانتباه بسبب كثرة ما كتب في الحياة اليوميّة أو اليوميّ، وهي على كثرتها ليست اختصاصاً، وإنّما هي طريقة في النّظر إلى الحياة اليوميّة، وقراءة ما يجدّ فيها من حوادث وأحداث وما ينبثق فيها من ظواهر بوصفها خطابات، ولكنّها من نوع خاصّ، لأنّها تخفي خطابات أخرى هي الّتي يتعيّن كشفها أو فضحها.

الكتابة في اليوميّ بهذا المعنى هي ضروب شديدة التّنوّع من التّشخيص، شبيهة بالتّشخيص الطّبّيّ، تتّخذ من التّفاصيل الصّغيرة الّتي تعجّ بها حياتنا اليوميّة مادّة خامّا تحتاج إلى إضاءة وتكبير لإطارها. وقد كان والتر بنيامين يرى في هذا الضّرب من التّكبير التّحليليّ للحدث، أو للمقطع، أو للتّفصيل الصّغير مجالاً لعصرِ تقاطعِ التّحليل النفسيّ وعصرِ إعادة الإنتاج التّقنيّة الفوتوغرافيّة والسّينمائيّة. وقد اتّبع (رولان بارت - Barthe) النّهج نفسه في تحليل الصّور الفوتوغرافيّة. فهو يُسمّي هذا التّفصيل الصّغير النّابي النّافر من الصّورة «النّاتئَ» le punctum. وهو (أي«النّاتئ») في نظرنا مبدأ قراءة لنوع من الصّور لا يكتمل فهمه إلاّ بمفهوم المنتشر studium. فالنّاتئ عموما هو هذا التّفصيل الصّغير الّذي ينبثق من حقل «المنتشر» الواسع، فلا ينتظم بانبثاقه المباغت في شفرته ولا ينقاد لنسقه.

إنّ هذا الّذي ينبثق بغتة فيباغت كلّ توقّع هو ما تعتني به الكتابات في اليوميّ، ذلك أنّ اليوميّ هو ما يحدث في كلّ يوم، ولكن ليس على وتيرة كلّ الأيّام بسبب تغيّر نسق سرعته. فالحادث هو حدثُ سرعةٍ، هذا إذا اعتبرنا الحوادث مرتبطة بإسراع accélération التّاريخ وسرعة الواقع. ولعلّ ما يميّز الأحداث المعاصرة هي كونها حوادث، فسقوط مبنى التّجارة العالمي 2001، وانهيار البورصة المالية 2007، وثورات الرّبيع العربي 2011، إنّما هي حوادثُ سرعةٍ. هذا الضّرب من الحوادث يسمّيه بول فيريليو Paul Virilio الحادث الكامل un accident intégral، لأنّه يفجّر سلسلة أخرى من الحوادث.

تاريخ الحوادث

لئن وجد دوما تاريخان: التّاريخ العامّ والتّاريخ الحدثيّ l›histoire événementielle كالثّورة الفرنسيّة 1789، واكتشاف أمريكا، والحرب العالميّة... فقد أصبح لنا بسبب تغيّر سرعة الواقع اليوميّ تاريخا واحدا، هو تاريخ الحوادث. وهو تاريخ المفاجآت، أي هذا الّذي يقع فجأة خارج كلّ توقّع. فما وقع في مبنى التّجارة العالميّ ليس حدثاً، وإنّما حادث له قيمة الحدث، ولعلّه بسبب سرعة وقوعه المباغت، أضحى زمنُ تلك الحوادث نادرا تخلّده الذّاكرة وتحافظ عليه حتّى لا يتكرّر. هذا التّشخيص الأوّليّ يحملنا على أن نتساءل: هل اليوميّ هو من جنس الحوادث الصّادمة؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف