• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

127 مليون شاب و67 مليون طفل أميّ.. 96 مليوناً منهم عرب!

في قراءة ما لا يقرأ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 مارس 2016

د. أم الزين بنشيخة المسكيني

حينما تعود إلى بيتك كلّ ليلة، إن كان لديك بيت، وتركن إلى كنبتك وشاشتك، ستداهمك حتما صور الدمار اليومي في مدن يصرّ التاريخ أن يُكتب فيها بدماء أهلها. وبالرغم منك أنت الذي جئت من متاعب يومك لاجئاً إلى موقع راحتك، عليك حينئذ أن تنضمّ إلى منطق ذاك الدمار وأن تستسلم في ضرب من الموقف الكلبيّ إلى ركح الصور. ستساهم بعينيك وقلبك وجسمك المنهوك في قطاف حصاد اليوم من البربرية المتوحّشة. ماذا تطلب منك صور القتلى؟ أن تكون مجرّد متفرّج؟ ومن يتسلّى بأشلاء الضحايا؟ بالرغم منك عليك أن تقرأ الرسالة التي تصلك في شكل صور.. وذلك بالرغم من أنّك قد تكون لست بقارئ..لا حرج عليك.. فالصور لا أبجديّة لها.. هي هنا من أجل الأمييّن أيضاً..

كيف يمكن أن نقرأ صور الدمار في مدن الرماد والرعب؟ وكيف يمكن لأعيننا الصغيرة من وراء نظّاراتنا الهزيلة أن تلتقط حروف الأشلاء وما تبقى من البشر؟ ما هي وسائلنا التأويلية في قراءة الخراب؟ أم أنّ الخراب لا يُقرأ بل هو يُرسم أو يصوّر أو هو يُكتب فحسب؟ ربّما صار من بواعث البهجة لأبناء الديجيتال التحرّر من قراءة الكتب لكن ربّما لا أحد منّا بوسعه أن يفخر بقدرته على أن يفلت من قراءة الصور. بأيّة لغة تُكتب الصور ومن يجيد قراءتها؟

الشفاهة والكتابة

لقد قال دريدا الفيلسوف الجزائري الأصل ذات يوم: إنّ عصر الكتاب قد انتهى. وإنّا دخلنا عصر الكتابة. وهو في ذلك إنّما يستعيد بضرب من الشرخ الرشيق لتاريخ الغرب القائم على مركزية اللوغوس، طيف توث الإله المصري القديم الذي انهزم أمام آمون في عقر مدينته طيبة ثمّ انهزم ثانية أمام أفلاطون في مدينة أثينا التي لا تستضيف الشرق إلاّ بوصفه غريباً. هو «الغريب» الذي جعله أفلاطون في كتاب النواميس يذكّر بقصّة القدامى الذين كانوا يعيشون وفق نواميس أي وفق «عادات غير مكتوبة» وهي عادات الآباء القدامى. وبهكذا كلام تبدو الكتابة أمراً هجيناً لدى أفلاطون لأنّ القدامى كانوا يعيشون دوماً وفق نواميس أبويّة. أي وفق ثقافة شفويّة يفرضها الآباء ورؤساء العشيرة والقبيلة والحكماء والآلهة. كلّ الثقافة القديمة هي ثقافة المشافهة لأنّ الكتابة حدث متأخّر في تاريخ البشر. وهو ما يقصّه سقراط في محاورة الفيدروس، وهي محاورة حول الجمال والحبّ، على محاوره فيدروس، حول أسطورة الإله المصري توث الذي اخترع علم الأعداد والهندسة والفلك والكتابة أيضاً، حين دخل توث ذات يوم على الملك آمون يعرض عليه علومه ومنافعها. وحين وصل إلى اختراع الكتابة، قال توث لآمون: «أيّها الملك، إنّ هذا العلم سوف يجعل من المصريين أكثر علماً وسوف يسهّل عليهم فنّ التذكّر، لأنّي قد وجدت الترياق من أجل شفاء العلم والذاكرة».

لكنّ الملك آمون ردّ عليه معترضاً: «هذا العلم ليس بوسعه أن ينتج في النفوس غير نسيان ما تعلمُه، وذلك بجعلها تهمل الذاكرة.. إنّك قد وجدت الترياق لا من أجل إثراء الذاكرة إنّما من أجل المحافظة على الذكريات التي تملكها». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف