• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

موزارت.. موسيقى الغيابولغة اللاّمرئيّ

قدّاس الموتى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 سبتمبر 2015

أحمد حميدة

عرف موزارت في قدّاسه كيف يتحدّث لغة اللاّمرئيّ وأن ينشدها بجنون، على الأقلّ بالنّسبة إلى المقاطع الثّمانية الأولى من «لكريموزا» آخر روائعه، لذلك بقي القدّاس عصيّاً على الفهم. فسواء نظرنا إليه من الزّاوية الرّومنطيقيّة كنشيد بجعة، واعٍ بالحضور الإلهي، أو تأليف موزارت لموسيقى موته، أو رصدناه باعتباره طلباً تجاريّاً أنجز على عجل ودونما إتقان، فإنّه من النّادر أن يكون عمل موسيقيّ قد أثار مثل ذلك الفيض من الكتابات - الكاذبة أحياناً – التي ساهمت ولوقت طويل، في تشويش رؤيتنا له. إنّ كتابات روبينس لندون وآخرين، مكّنت من فضح الكثير من الأكاذيب «المقدّسة»، ليبقى هذا العمل محاطاً بهالة من الوقار المهيب، يحمل في تموّجاته عبء الزّمن، وثقل القبر والموت البائس لشابّ في سنّ الخامسة والثلاثين وعشرة أشهر.

إنّه لمن الصّعب الإنصات لهذه الموسيقى لذاتها، ولا يمكن حسب رأيي الإمساك بمدارات الأحاسيس فيها، ما لم نضع في حسباننا ما سبق وأن أوضحه ريلكه عن لغة الغياب أو لغة اللاّمرئيّ، ودون وقوع في رؤية مُقْنِطة ومثيرة للشّفقة، أرى من الضّروري الحديث عن الظّروف التي حفّت بميلاد تلك الرّائعة.

بئر الألم

لقد كانت سنة 1790 سنة حزينة في حياة موزارت، أضحى خلالها فولفانج سجين بؤسه وأسير فيينّا، يعاني من عبء ديونه المتثاقلة، وكان عليه في تلك الظّروف، مواجهة الجفاء القاسي لجمهور فيينّا، وخاصّة منهم من كانوا إلى عهد قريب من مؤيّديه ومشجّعيه، لقد انهارت شعبيّته، وصديقه هايدن غدا بعيداً عنه في إنجلترا، أمّا تلاميذه فقد هجروه، وباتت المحاكمات تلاحقه وتقضّ مضجعه، فيما انفضّ حاموه من حوله. وكان على فولفجانج أن يقاوم حتّى يجعل أسرته تطفو، ولا تغرق في العذابات اليوميّة فتضطرّ إلى الاستجداء والتسوّل.

ورغم شرارة الأمل المربكة التي التمعت بولادة فرانز في يوليو 1791، فإنّ تلك الولادة لم تغلق نهائيّا بئر الألم الذي تردّى فيه بيتهوفن بفقدانه أربعة من أبنائه، ولم يعد لموزارت سوى هاجس واحد: أن يمرّ ذلك الشّتاء اللّعين الذي حلّ ببرودته اللاّذعة والقاسية، وأن يضمن لعائلته بعض الدّفء ودعماً من أرستقراطيّة فيينا، التي أصبحت تلفظه كدمية بالية. لذلك بات موزارت يسترزق من تآليف لبعض الفرق المسرحيّة، إلى أن عرف سعادته الأخيرة «المزمار المسحور»، الذي ألّفه لفرقة مسرحيّة شعبيّة بضواحي فيينّا، عمل موسيقيّ سيحمله لحين ويمكّنه من الاستمرار.

كلّ الأعمال الأخرى «رحمة تيتوس»، «كونشيرتو الكلارينات» وحتّى «القدّاس»، لم يعد فولفانج ليعوّل عليها كثيراً أمام ذلك الفيض من السّعادة التي كان يشعر بها وهو يسكب من ذاته تلك الموسيقى المنعشة والعميقة في آن، والتي جعلته من جديد صائداً للعصافير. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف