• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

مفكرون ومبدعون يتحدثون عنه بوصفه مفتوحاً على العالم

المسكونون بالمكان الأصلي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 سبتمبر 2015

حسّونة المصباحي

في خريف عام 1933، تلقى الفيلسوف الألماني الشهير مارتن هايدغر(1889-1976) دعوة للتدريس في جامعة برلين. غير أنه رفض تلك الدعوة وكتب نصّا شاعريا بديعا بعنوان: «وحدها الغابة السوداء تلهمني» فيه يقدّم تبريرات رفضه للدعوة المذكورة مشيراً في البداية إلى أنه مرتبط روحيّا وفلسفيّا بالبيت الريفي الذي دأب على العمل، والتأمل فيه. ويقع هذا البيت على القمة الأكثر ارتفاعاً في «الغابة السوداء» الواقعة في الجنوب الغربي من ألمانيا. في هذا المكان المنعزل، يشعر هايدغر بأنه «متجذّر» في العالم العميق للثقافة الألمانية في جانبها الزراعي الذي يتميّز ببساطة في العيش. وحول البيت الريفي، على المنحدر الوعر، تنتشر الضيعات ذات السقوف الكبيرة، والمائلة، وتكثر حقول الرّعي. يقول هايدغر: «أنا لا أتأمل فقط المنظر الطبيعي المحيط بي، بل أحسّ تحولاته من ساعة إلى أخرى، ومن الليل إلى النهار، خلال تعاقب الفصول. إن ثقل الجبال، وصلابة صخورها القديمة، والنموّ المحترس لأشجار التنّوب، والبهاء المضيء للحقول المزهرة، وهمس السيول في ليل الخريف الطويل، وأيضاً البساطة الصارمة للمساحات المغطاة بثلوج كثيفة تتسرب كلّها إلى الحياة اليومية هناك في الأعالي، وفيها تتجمّع، وتتراكم وتتموّج، ليس في اللحظات التي نريدها أن تكون لحظات انغماس في المتعة، ولحظات تحقيق الذات المصطنعة، وإنما فقط حين يكون وجودي في حالة تأدية عمله».

مكان ضدّ الرتابة

يرى هايدغر أن العمل الفلسفي يصبح فريداً من نوعه عندما يتمّ وسط عالم المزارعين الذين يجلس معهم من حين إلى آخر، ومعهم يدخن الغليون في صمت. وفي هذا العالم، هو لا يشعر بالرتابة ولا بالضجر. وهو يعيش وحدته بمتعة لا يمكن أن يشعر بمثلها في مدينة كبيرة مثل برلين حيث بإمكان المفكر أو المبدع أن يحصل على الشهرة السريعة من خلال الصحف والمجلات، غير أنه لا يمكن أن يحصل على السعادة الروحية التي تمنح عمله البعد الإنساني الحقيقي. وفي نصّه المذكور، يعبر هايدغر عن أسفه الشديد لموت عجوز كانت تروي له حكايات قديمة توشك على الانقراض بسبب وسائل الإعلام والترفيه الحديثة. وكانت هذه العجوز تحافظ في لغتها القوية والموحية على الكثير من الكلمات التي باتت نادرة الاستعمال. لذلك يعتبر صاحب «الوجود والزمن» أن ذاكرة هذه العجوز أكثر قيمة من كل ما تروجه وسائل الإعلام في المدن الكبيرة، ذلك أن العالم المدينيّ «مهدّد بخطر كبير، خطر أن يصبح فريسة للبدع القاتلة». وهو عالم «متعجل ومزعج، وصاخب، ونشط جدا، ويبدو غير مبال ببقية العالم». لذلك رفض دعوة جامعة برلين لأنه يريد أن «يسمع ما تقوله الجبال، والغابات، والضيعات». غير أن التعلق بالمكان الأصلي، لم يمنع هايدغر من التحاور مع العالم، ومن طرح القضايا الشائكة التي تعيشها الإنسانية.وفي كتابه البديع «داغستان بلدي»، يكتب رسول حمزاتوف (1923-2003) قائلا: «أحمل شوقي وحنيني إلى وطني حيثما ارتحلت. أتطلّع إلى وطني من شبّاك قفصي. لا يمكن أن يكون كاتب من دون وطن. ونحن لسنا الذين نختار أوطاننا، وأنما الوطن هو الذي يختارنا منذ البداية. لذلك على كلّ إنسان أن يدرك منذ صباه أنه جاء إلى العالم ليكون ممثلًا لشعبه، وعليه أن يكون مستعدّاً لتحمل أعباء مثل هذه المهمة».

أول منزل

سقت هذين المثالين لكي أشير إلى أن لكلّ مفكر، أو فيلسوف، أو مبدع في أيّ مجال من المجالات، مكاناً أصليّاً فيه يولد، وينشأ، وينمو، ومنه ينطلق إلى العالم الرحب لأن هذا المكان هو من العالم وبالتالي لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون منفصلا عنه. وليس باستطاعة المنتمي إليه أن «يتمترس»، و»يتحصّن» فيه. فإن هو فعل ذلك، عاش في ضيق ومات في ضيق أيضاً. فلا يترك ما يمكن أن يجعله حاضراً في ذاكرة وطنه، ولا في ذاكرة العالم. ومنذ البدء، عكس التاريخ الفكري والثقافي مثل هذه الحقائق. وعندنا في أدبنا العربي أمثلة كثيرة على ذلك. فقد جعل نجيب محفوظ من القاهرة التي ولد فيها، ولم يغادرها طوال حياته النافذة التي أطل منها على العالم. وفي أعماله التي وصف فيها حياة الناس البسطاء في الحواري الفقيرة، وفي الأزقة الضيقة، يجد القارئ بقطع النظر عن الثقافة التي ينتمي إليها، واللغة التي يتكلم بها، ما يثري خياله، ويغذّي فكره، ويصور له جوانب من الحياة البشرية، ومن تجلياتها. وفي النهاية كان نصيبه جائزة نوبل للآداب التي توج بها عام 1988.

وتتحرك شخصيات الطيب صالح في قرى فقيرة على ضفاف النيل، وجلها تجهل القراءة والكتابة، وتعيش شبه مقطوعة عن الحضارة الحديثة، غير أنها تمتلك تلك الحكمة التي تثير الدهشة والإعجاب لدى القارئ في المدن الكبيرة الصاخبة مثل نيويورك، أو طوكيو، أو لندن، أو باريس، أو شانغهاي، أو بيونس آيرس، أو نيو دلهي. وكان الطيب صالح يقول: «لقد حولت القرية السودانية إلى عالم شاسع فيه تدور أحداث (أوديسيّتي) القروية». وكان المغربي محمد شكري يقول إنه (كاتب طنجاوي) أي من طنجة، إذ أن جل أحداث قصصه وروايته تدور في هذه المدينة، وفي الضواحي القريبة منها. فلا نجد حضوراً قوياً لأية مدينة مغربية أخرى. مع ذلك، اخترقت أعمال محمد شكري المسافات بين مختلف بلدان العالم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف