• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

روزا ليكسوم.. «ڤاليوم» يا صديقي القديم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 سبتمبر 2015

ترجمة وتقديم - مازن معروف

تعد روزا ليكسوم (Rosa Liksom 1958) إحدى أهم الكاتبات في المشهد الأدبي الفنلندي اليوم. وفي فنلندا التي تتعايش فيها قوميات تتحدث اللهجة الفنلندية أو السويدية الفنلندية أو السامية، ينعكس ذلك مباشرة على المشهد الأدبي، إذ تغذي هذه اللهجات الثلاث الشعور بالتنافس القومي، لكن الإبداعي أيضاً. ما يجعل المكتبة الفنلندية تُقسّم بشكل أساسي في أرفف تحوي كتباً منجزة بالفنلندية وأرفف أخرى للكتب المنجزة بالسويدية الفنلندية، وهي بالمناسبة مختلفة عن السويدية المتداولة في السويد. أما السامية فيقتصر تداولها على أقلية في الريف. أما النقاد فيعتبرون أن النتاج الأدبي بالفنلندية السويدية يفوق ذلك المنتج بالفنلندية أهمية وجمالية أيضاً. مع ذلك، فإن ليكسوم الحائزة عدداً من الجوائز، والمكرسة أدبياً، تكتب بالفنلندية. أما دراستها للأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية فنجد أثرها في كتاباتها بحيث تتقصى الحياة الخافتة للأفراد، محاولة انتشال النوازع الإنسانية والصراعات النفسية في دواخلهم وتعايشهم في تناقضات تطفو في لحظات معينة على سطح القصة. ليكسوم حائزة عدداً من الجوائز الأدبية في الرواية والقصة القصيرة منها جائزة جاي. آتش. إركو لأفضل رواية، وجائزة فنلندا للأدب. كما رشحت لعدد من الجوائز في أوروبا. نشرت كتباً عديدة للأطفال ومسرحيات، وترجمت أعمالها إلى عدة لغات. تقضي ليكسوم قسطاً من وقتها في الفن التشكيلي وإخراج الأفلام. من أعمالها «حجرة رقم 6» و«جنة سوداء» التي اخترنا منها هذه القصص.

الختم

سآخذ مائتين. وإلا فلتنس الأمر. لقد أمضيت للتو ستة عشر يوماً في السجن، قبل أن يقوموا بطردي في منتصف ليل لعين. فتنحيت جانباً وقمت ببعض الحسابات: لا أملك تعرفة الباص، ولا تعرفة سيارة الأجرة، أما أن أستقل طائرة خاصة فهذا كلياً محال. هاأنذا في ورطة لعينة. لا أملك شيئاً. لا بطاقة ائتمانية، لا مال. لقد أخذوا كل شيء. كل شيء. الخنجر، الدبابيس المشابك، فتّاحة القناني، السجائر. لكن أياً من هذه الأشياء ليس بذي أهمية. فهم أخذوا أيضاً ختمي المطاطي. وهذا الختم هو أثمن ما أملك – لا يمكنك أن تصدق ما الذي مررت به كي أجعله قابلاً للعمل. تسعة أشهر من التفكير المتأمل رفقة ذلك الشيء اللعين، من أجل أن يأتوا في النهاية ويأخذوه! لا يمكنك أن تتخيل كيف تجمدتُ عندما قام الشرطي المقيت بإخراجه من جيبي ورميه في القمامة، وسرعان ما وصلت عاملة النظافة لتحمله بعيداً. ومن بحق الجحيم يعرف أين انتهى به المطاف؟ هذا أكثر شيء بعثاً على الإحباط حدث لي – أن يذهب الختم وتسعة أشهر من العمل فيه إلى المرحاض مباشرة. المرء تذهب جهوده سدى في هذا العالم. الحياة أتلفتْني. قد تظن أنني ارتكبت جريمة مروعة، خطيئة لا تغتفر، وأنني هنا أنال جزائي. لقد احتُجِزتُ في تلك الزنزانة لمدة ستة عشر يوماً، لم يحققوا معي حتى، في الوقت الذي كانت جريمتي الوحيدة أنني ولمرة واحدة في حياتي أصبح لدي شيء نافع. الختم المطاطي كان أعظم إنجازاتي – كان كاملاً وليس من السهولة لأيٍّ كان أن يصنع شيئاً كاملاً بتلك الدرجة. كامل – هل تفهم؟ كامل. لكني بعد ذلك فقدته. ستة عشر يوماً. رغم أنني لم أكن لأعير المسألة اهتماماً لو أعادوا لي ختمي. كان بمثابة حب، زوجة، عشيقة. أما الآن فهأنذا أقف هنا مديراً مؤخرتي لمحطة شرطة باسيلا ولتحل لعنة الله عليّ إن غادرتُ قبل أن يعيدوه لي. سأعود أدراجي إلى النافذة الزجاجية اللعينة وأشن حرباً برجل واحد فقط. سأجلس هناك متخشّباً كرافعة وأنتظر إلى أن يجدوا ختمي ويعيدوه إليّ، حتى وإن تطلب الأمر إحضاره من مكب النفايات على الطرف الآخر من البلدة. سأوثق نفسي بالأصفاد إلى أنابيب التدفئة وأظل جالساً حتى يتوسلوني طالبين أن أسامحهم ويحضروا ختمي. أما إذا كان معطوباً، فسيستبدلون به بكل رضى آخر جديداً، حتى وإن أجبروا على زيارة عيادة طبيب من أجل ذلك. فلتحل لعنة الله عليَّ إن كنت سأذعن. من ذا الذي يتخلى عن أثمن ما يملك من دون مواجهة؟ ذلك ليس أنا – سيتحتم عليهم قتلي أولاً. سأفرض ذلك، أقيّد نفسي بالأصفاد إلى أنابيب التدفئة ثم أطالب باسترجاع ختمي. سأتصل بكل صحيفة، والعنوان الرئيس في صفحتهم الأولى سيتعلق بي وبحرب الرجل الواحد ضد قوة شرطة باسيلا اللعينة بأسرها. سأظهر لرجال الشرطة أولئك من هو الرجل. أنا لست ضعيفاً – وما هو لي من حقي. لأنني أعرف ماذا يعني أن نحب شيئاً، بخلافهم، ليس لديهم أقل فكرة عن مدى حبي للختم. ليس لديهم أدنى فكرة عن ذلك. لا يعلمون ما الحب الحقيقي. بحق المسيح، يا لكل القذارات التي مررت بها خلال صنعي لذلك الختم. كم كنا أحياناً محبطين، وكم أحياناً أخرى كنا نحلق حتى أن أحداً لم يكن ليستطيع تجاوز علونا، ليس في فنلندا بأية حال. في أميركا نعم، في الستينيات، ربما لكن ليس هنا. أبداً – والآن كل شيء واقع على عاتقي، وأي لعنة. فلن أستطيع البقاء على قيد الحياة دون ختمي. سأطلق النار على أي شخص يحاول الوقوف في طريقي. سأحصل على بندقية صيد نُشِرتْ ماسورتها وأفجر رأس تمثال رونبرج. سأنتقم. آه يا ختمي، بدونك مآلي الجحيم حتماً. سأموت هنا. هنا بالضبط سوف أموت. وبأنفاسي الأخيرة سأهمس بأجمل كلمة في العالم. الكلمة التي حفرتها على الختم. الكلمة التي أبقتني على قيد الحياة في هذا العالم القذر. «ڤاليوم». مرفقة بتلك العبارة المذهلة: شارع مانرهِيْم* للجراحة، ك. فاستيرينن. ومئة ألف وصفة طبية مختلقة بإتقان، لكل استعمالاتي الشخصية. «ڤاليوم»، يا صديقي القديم، عزيمتي، آنذاك للأبد.

*مانرهيم قائد حربي فنلندي وزعيم سياسي. يعتبر الشخصية الفنلندية الأهم في التاريخ.

راهبان

الحانة مستطيلة. طويلة وضيقة. لمبات صغيرة تتدلى على الجدران، تحيط بها دخنة ثقيلة ورمادية، وإلى المنضدة يجلس صيادو سمك في حالة سكر، بحارة يتبادلون أحاديث بلغة أجنبية. الجميع يتكلم، بغموض وبصوت خفيض قدر الإمكان. المكان تقريباً مظلم، بلصوص مراهقين مختصين بسرقة السيارات، مروجي مخدرات، ومتقاعدين خرفين بالكاد يستطيعون المشي. راهبان بزيّ أسود يظهران عند عتبة الباب، منتصبين باعتزاز. أحدهما يمسح وحلاً عن كتفيه، أما الآخر فيلمس صليباً يتدلى من رقبته، كما لو أنه يتأكد بأن قدره لا يزال سويّاً. الراهبان يدخلان الحانة متجهين إلى المنضدة بسلوك حريف ويطلبان كأسي ويسكي مزدوجين من فتاة البار الشقراء، هذا قبل أن يأخذا كأسيهما إلى جبهة المنضدة، خلف صيادي سمك شرسين من الإسكيمو. أحد الراهبين يخرج غليوناً من جيب داخلية في بزته، يحشوه ثم يشعله، يجرع نصف ما في كأسه ويحدق في زجاجة بيرة تحلّق في الهواء عابرة الغرفة قبل أن تتحطم عند الجدار المقابل. الآخر يفتح فمه لقول شيء ما، لكنه سرعان ما يغلقه مبتسماً لنفسه. الراهبان يعيدان الكرة فيطلبان كأسي ويسكي مزدوجين مرة ثالثة ورابعة. الراهب ذو الغليون، يحشو غليونه مجدداً. بعدها يغادر ورفيقه. في الشارع، مقابل الحانة تماماً، رجل يستلقي ملطخاً بالدماء ونصف مغطى بالوحل. حارس الحانة ينظر إلى الراهبين قائلاً إن هذا مآل الأشخاص الذين يركلون الآخرين في خصياتهم. الراهبان يباشران سيرهما في الشارع ويصلان قمة تلة صغيرة. من هناك بإمكانهما رؤية البلدة بأكملها، بل وحتى أمواج المحيط الأطلسي، كما في الصور الفوتوغرافية القديمة. يسجلان اسميهما في فندق خمس نجوم، ويطلبان طعام الفطور وصحف الصباح ليوم غد. يستقلان المصعد إلى الغرفة المزدوجة في الطابق الرابع ويسترخيان. وببطء، يخلعان زييهما الثقيلين ويعلقانهما بتأنٍّ على علاقات بيضاء. واحد منهما يفتح زجاجة ويسكي «جيم بيم». الراهبان يجلسان بملابسهما الداخلية ويرتشف كل منهما جرعتي ويسكي. يستحمان معاً، ثم يغرقان، متعبين إنما سعيدان، في شراشف حريرية لسرير الماء الناعم.

حب

في وقت متأخر من الليل أذهبُ إلى وسط المدينة لأبحث عن «نيك كايڤ»، لكن ما أحظى به يكون مغايراً تماماً. صياد سمك محمر الوجه من الساحل الشرقي. أجرّده من ملابسه، أحدثه بصورة جميلة عن الحب، النجوم، وجاذبية كوكب الأرض، وهو يصغي مشنفاً أذنيه، مطلقاً ابتسامة بريئة، بلهاء. إنه يريد كل شيء، وفوراً. وأنا أبذل ما بوسعي لأمنّ عليه بهذا. في الصباح التالي أجده يغرغر كطفل أُرضِعَ للتو في السرير المزدوج الذي يصرّ في غرفة الفندق، طالباً المزيد. أبتسم وأهمس بعذوبة في أذنه. أسمح له بأن يلجني، لكن في اللحظة نفسها أمسك بحنجرته وأعصر قدر ما أستطيع. يكون هناك أزيز، قبل أن تنزلق الحياة خارج جسده السمين. أنهض، أرتدي ثيابي، أطلب طعام الفطور ثم أغادر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف