• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

الحقيقة الغائبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 سبتمبر 2015

في مجتمعاتنا سواءٌ في الحوار اليومي والحياتي في المداخلات والتعليقات أو في الكتابات والمحاضرات والندوات والأشكال المختلفة للتواصل المجتمعي المعنيِّ بالكلمة والمعلومة، يسترعي انتباهي أن هناك خطرًا مُحدقًا بنا جميعًا وأمرًا يستحق التوقف والبحث في أسبابه ودوافعه والتعامل معه بكل اهتمام. إنه تسرُّع البعض في الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو مسميات أو تواريخ أو أسماء دون التيقن من المرجعيات اليقينية، ودون أن يُكلف المتحدث أو الكاتب أو المحاضر أو المدرب أو المدرس نفسه جهدًا يُذكر للتثبت قبل أن يكتب القلم أو ينطق اللسان! ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ق-18

وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل هناك من يتجرأون ولو بحُسن نية على الثوابت والتواريخ والمقاييس والمؤشرات ومراتب الريادة والمعلومات والبيانات، ويقولون ما يشاءون دون التريث والتمحيص، ومع الوقت تصبح هذه الحقائق غير الكاملة وهذه البيانات غير الدقيقة مددًا متواصلاً متداولاً لدى آخرين من المتلقين سواءٌ كانوا مستمعين أو قارئين أو متدربين أو طلابًا في ساحات العلم، فنقع في المحظور، حيث نعيش على الأوهام والقشور وتغيب عنا عين الحقيقة.

ولهذا فنحن مطالبون بأن نقف وقفة معرفية مع الذات، ونكون أمناء على أمانة النقل والحديث والإسناد والدقة، والتحديث المستمرِّ لمعلوماتنا بشأن المؤشرات والبيانات والمرجعيات، ومما يدعو للعجب أننا أمة قائمة أصلاً على التثبت من كل شيء، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات - 6 وعندنا علم الحديث ورجاله قائم كله على التثبت من صحة رواية الحديث والتثبت من صدق راوي للحديث.

وهذا يجعلنا نتوقف أمام ثلاثة اعتبارات في غاية الأهمية:

أولا:- لقد وهبنا الله جامعة مفتوحة تعمل أربعًا وعشرين ساعة، بها مدد من الدرر المعرفية المكتوبة والمسموعة والمرئية، ألا وهي الشبكة الإلكترونية (الإنترنت)، فلماذا لا نُقيم جسورَ تواصل مع هذه الشبكة ونجعل أنفسنا ضيوفًا وزائرين دائمين لها كلما تطلب الأمر معلومةً مهمة، أو دقة مصطلح، أو تاريخ نشر كتاب، أو اسم كاتب.. أو غيرها من متطلبات ومفردات الخطاب اليومي المجتمعي بيننا جميعًا كرفقاء في مدرسة الحياة؟!

ثانيا:- هناك الكثيرون من الباحثين حديثي التخرج الطامحين إلى عمل بحثي معرفي في ظل شح الوظائف وتنافسية الأسواق الجاذبة للمهارات والكفاءات البشرية، وهؤلاء الباحثون يمكن التعاقد معهم للعمل من مواقعهم ومنازلهم وأماكنهم الجغرافية سواء داخل منطقتنا أو خارجها، على أن يقوموا بتزويدنا بالمعلومات والبيانات المرتبطة بالأبحاث والمحاضرات والندوات وأوراق العمل وذلك وفق إطار منهجي منظم من التوقعات وذلك لقاءَ مخصصات مالية تحقق لهم التحفيز والتشجيع للعمل، وتُكسبهم المزيدَ من المعارف، وتحقق لنا مصداقية الكلمة ودقة المعلومة وإثراء الطرح، وتجعل المتلقي يشعر أننا لا نقدِّم معلومة فحسب، ولكنها معلومة موثقة ولها مراجعها، وهذا هو عمل الأمين على الأمانة سواءً كان كاتبًا أو متحدثًا أو محاضرًا أو مدرسًا أو غير ذلك من أصحاب الفكر والتنوير.

ثالثا:- لقد آن الأوان أن نعيد التفكير في مفردات الخطاب التحاوري الكتابي والشفهي اليومي مع الآخر... فلم يعد مقبولاً الإصرار على المفردات اليقينية التي تضفي القدسية والحقيقة المطلقة على أُطروحاتنا مثل (أنا أجزم)... أو (ليس هناك شك في أن)... أو (نحن جميعًا متفقون على أن).. أو (هذه هي أهم حقيقة).... وغيرها من مفردات كتابية وسمعية تجعل الطرح المقدم هو الطرح الأوحد، بينما الحقيقة الكاملة غائبة؛ لأنه في العلوم الإنسانية لا يوجد ثوابت يقينية ولكن اجتهادات وآراء ومدارس وتوجهات وفلسفات بخلاف العلوم الشرعية والكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، بل حتى في الأمور الشرعية يوجد ما هو ثابت يقيني مثل الكتاب وصحيح السنة، وهناك ما يحتمل أكثر من وجهٍ - وهو ما يسميه أهل الشريعة قطعي الدلالة وظني الدلالة- ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في الأمور غير الثابتة والتي تختلف باختلاف الزمان والمكان والحالة.

د. عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا