• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

رادها وكريشنا.. أسطورة العشق الإلهي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 سبتمبر 2015

د. أمّ الزين بن شيخة

كريشنا الهنديّ يأتينا من عالم كبير في جغرافيّته وفي عمق حكايته وفي ملاحمه وتراجيديّاته وفي مخياله الضارب في القدم. إنّه العالم الهنديّ الذي تسيّجه غرباً باكستان وشرقاً بنجلادش وجنوباً سيرلانكا وشمالًا نيبال وبوتان. وهو العالم الغريب الذي تعبّر لغته المتأرجحة بين الأبجديّة ولغة المقاطع اللفظيّة، كلّ هذي البلاد التي تعجّ بكينوناتها الثريّة والفاتنة، هي عبارة عن سور سحريّ لرقعة الهند نفسه.وهي رقعة تستأثر بقلب الجغرافيا وأوجها، رغم كلّ ما يهدّد التاريخ من حروب منذ تيمور لنك الذي أحرق دلهي وطفق يصنع الأهرامات من جماجم الهنود أنفسهم ذات تاريخ فظيع، إلى الاستعمار الإنجليزيّ الذي قسّم الشعب الهندي وقضى على وحدته وفاق في عهده عدد الضحايا المليونين من البشر.

كريشنا

كريشنا في عبارته التي تلتحف - في صياغتها الأورديّة - حروفنا العربيّة دون أن تذعن إليها تماماً، يعني في اللغة السنسكرتيّة التي هي لغة الهند الأصليّة «الإله ذو اللون الداكن»، فهو الأسمر المائل إلى الزرقة ممّا يليق بجمال أسطوري لإله نسج بلونه وبحكمته وبعشقه وبتعاليم اليوغا الخاصة به مخيال شعب برمّته. هو الطفل الثامن في عائلة أميريّة عريقة النسب من عائلة يختلط فيها الملوك بالكهّان بالمحاربين الأشاوس في زمن بعيد لم يكن يفصل بين عالم البشر وعالم الآلهة، وبين الأسطورة والواقع وبين الحلم والملحمة. وُلد كريشنا على ضفاف وادي يامونا الخصب في حضن قبائل يادافا، حيث الأشجار الظليلة والزرع الوفير وقطعان البقر ورعاته وفتيات يرقصن على إيقاع زمن مازلنا نسمع صدى أغانيه في السينما الهندية الحاليّة الواسعة الانتشار.

وأنت تورّق صفحات قصّة كريشنا ستعثر دوماً على قصص مماثلة إلى حدّ زعزعة الكثير من عاداتك الفكريّة والجماليّة والعقائديّة والفلسفيّة: ستعثر على قصّة السيّد المسيح الذي وُلد من عذراء، وعلى محنة النبيّ موسى الذي ألقي به في اليمّ وعلى قصص أخرى لعقائد خلناها دوماً مختلفة وأصيلة.

وكلّما تقدّم بك الخطو مرحاً في ثنايا حضارة أخرى إلاّ وتغير وجه الغريب الذي كنت تخافه وتنغلق دونه بل وتكرهه أحياناً. وربّما نحتاج إلى كمّية من حريّة الروح العميقة فينا التي لم تشوّهها معارك الهويّة والأصل وأيديولوجيا القوميّات الكسولة من أجل إعادة ترتيب علاقتنا بالإنسانيّة الكبرى التي ننتمي إليها. وسيدفعك مخيال الهند وآلهته وأساطيره إلى إعادة تنضيد وثائقك الباطنة وتغيير خطّتك الجماليّة والعقائديّة حيث الفصل بينهما سيبدو انطلاقاً من إحداثيّة أسطورة كريشنا ورادها فصلًا باهتا ورتيباً. وقد يصير كلّ أثاثك الفكريّ والفنّي والعقائديّ مثيراً لضحكة يكتبها المفكّر الفرنسيّ ميشال فوكو في مقدّمة كتابه العمدة «الكلمات والأشياء» على موسوعة صينيّة لتصنيف الحيوانات أحال عليها بورخيس قائلًا أنّها «ضحكة تهزّ.. كلّ عادات الفكر- فكرنا: الفكر الذي له عُمُرُنا وجغرافيّتنا-، مزعزعة كلّ السطوح المنظّمة والخطط التي تعقّل لنا التدفّق الغزير للكائنات، وتجعل ممارستنا القديمة – للذات وللآخر، ترتعش وتقلق لمدّة طويلة». ورغم كون الكلام هنا موجّهاً للعالم الصيني فإنّ العالم الهنديّ يملك هو أيضاً نموذج معقوليّة يزعزع هو الآخر سلوكنا النظريّ الذي تربّينا عليه، سواء في عاداتنا الفكريّة الهوويّة أو في المكتبة الغربيّة نفسها. هكذا أنت كلّما حدّقت بمخيال ثقافة أخرى إلاّ وتعلّمت النظر بعيداً عن المنغلقين والمتعصّبين والذين لا يرون غير أوهامهم فيخالونها الحقيقة الوحيدة، ويخالون العالم ينتهي عند حدود ثقافتهم.

رادها ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف