• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

حضورها الفلسفي والفكري يحقق التلاقح الثقافي الحقيقي

الهند الأخرى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 سبتمبر 2015

د. سعيد توفيق

الثقافة بمعناها الواسع هي الحضارة، ولذلك يستخدم الألمان كلمة Kulturللإشارة إلى الثقافة والحضارة معاً. ولا غرابة في أن نتحدث عن صور أو تجليات حضور الثقافة الهندية، لا في الإمارات وحدها، ولا في كل بلدان الخليج، وإنما في أغلب أنحاء العالم؛ لأن الحضارة الهندية- كما أظهَر لنا فيلسوف التاريخ توينبي- هي من الحضارات الخمس التي بقيت عبر التاريخ: وهي الحضارة المسيحية الغربية (في أوروبا وأمريكا)، والحضارة المسيحية الشرقية الأرثوذكسية (في روسيا ودول البلقان)، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوكية (في الهند)، والحضارة البوذية (في منطقة الشرق الأقصى). فما هو الحاضر من الثقافة الهندية في الخليج، وفي الإمارات خصوصاً؟ وهل هذا الحضور يظل في إطار التفاعل والتأثير المتبادل بين الحضارات، أم أنه يتجاوز هذا الإطار؟

تجربة دالّة

لقد عشت في الخليج قرابة أحد عشر عاماً من عمري، قضيتها مناصفةً في عُمان والإمارات، وهي فترة زمنية طويلة تؤهلني للإجابة عن هذا السؤال من واقع التجربة والخبرة المعيشة.

وربما يكون من الملائم أن أذكر هنا تجربة دالة قد عايشتها في عام 1989 حينما دُعيت إلى العمل أستاذاً زائراً بجامعة الإمارات، وقد قمت في اليوم الأول بزيارة إلى سوق من الأسواق العامة يشرف على خور من أخوار الخليج بإمارة دبي، وهو سوق يقع حول ميدان كان يُسمى «ميدان عبدالناصر» بمدينة دبي. كلما اقتربت من الميدان كنت تتعالى أصوات متداخلة لا أتبين كنهها، إلى أن اكتشفت في النهاية أنها أصوات لغات كثرة هائلة من البشر يكتظ بهم المكان من الهنود في المقام الأول، ومن الباكستانيين والبنجلادشيين في المقامين الثاني والثالث. أدركت يومها مدى حضور اللغة الهندية في الإمارات، وهو حضور يفصح عن نفسه حتى في كثير من مفردات اللغة العامية التي تُستخدَم في مجال الحياة اليومية من أجل قضاء المصالح والحوائج. عرَفت ذلك أيضاً في عُمان فيما بعد.

يعرف كل من عاش في الخليج هذه الظاهرة مثلما يعرفها أهل الإمارات أنفسهم. ولا شك أن هذه الظاهرة تعد من الظواهر التي لها مردود سلبي على الثقافة والهوية في الإمارات وغيرها من دول الخليج؛ لأن اللغة هي مكمن الهوية، على نحو ما أفصحت عن ذلك بالتفصيل في كثير من دراساتي ومقالاتي. فحضور اللغة الهندية وغيرها من اللغات الأوردية يتجاوز بقدر هائل حدود التلاقح البديهي بين الثقافات المتجاورة جغرافياً أو التي تربطها تاريخياً علاقات ضرورية في مجالات العمل والتجارة والاقتصاد. فالحضور هنا يشوه اللغة العربية التي هي لغة الوطن، حتى في المستوي العامي لتداول هذه اللغة.

والحقيقة أن هذه الظاهرة هي نتاج طبيعي لواقع يعتمد في تسيير حياته اليومية على عمالة وافدة أكثرها من الهنود الذين نجدهم في الشوارع والأسواق، وفي سيارات الأجرة، وفي البنوك وشركات الصرافة، وفي أعمال الصيانة، وفي خدمة المنازل، وغير ذلك مما لا يُحصى. وكان من نتائج ذلك أيضاً أن امتد طغيان الثقافة الهندية على طبيعة المأكولات الخليجية التي يتم إعدادها في بيوت المواطنين، وهي مسألة تدخل في مفهوم الثقافة بمعناها الواسع. ومن البديهي أن هناك تأثيراً متبادلاً بين الشعوب فيما يتعلق بثقافة الطعام، فنحن نجد هذا التأثير المتبادل- على سبيل المثال- في أساليب إعداد الطعام في منطقة حوض البحر المتوسط، ومع ذلك فإننا نجد داخل هذه الثقافة العامة للطعام خصوصيات تميز مطبخ كل دولة واقعة في هذا النطاق باعتبار أن هذه الخصوصيات تشكل جزءاً من ثقافة خاصة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف