• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

درّ منثور من مناجم طاغور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 سبتمبر 2015

ترجمة - أحمد حميدة

اسمي.. إنّ اسمي ليس إلّا سجناً من دخانٍ وصدى، ينتحب فيه من يبقى أسيراً بين جدرانه. لقد جهدت دوماً في رفع هذا الصّرح من حولي، حتى شارفت أسواره تخوم السّماء، وفقدت في غياهب ظلاله المغشّاة ضوء حقيقتي. إنّ الكبر ليتملّكني وأنا أفتخر مزهوّاً بهذا الصّرح العظيم، وأسعى دائباً لأعتني به، مرمّماً أطرافه بالتّراب والرّمال، كيما يبدو أبداً في تمام كماله، ولفرط العناية التي أحوط بها اسمي أذهل مغشيّاً عن ضوء حقيقتي. الجمال الجمال ليس متعة مبهجة فحسب، إنّه ينطوي على المعنى الأبديّ للحقيقة. إنّ الحقائق التي تسلمنا للكآبة والإحباط، ليست سوى غيمة من ضباب عابر، وحين يخترق الجمال تلك الغيمة هنا وهناك، نكون قد أدركنا بأنّ السّلام لا النّزاع هو الأصل، بأنّ الحبّ لا الكراهيّة هو الأصل، وبأنّ الحقيقة تكمن في الاتّحاد، لا في الكثرة المجزّأة. النّور المتلاشي للسّراج كنت أحدّث نفسي ولسان حالي يردّد: في هذا المسرح العظيم للطّبيعة، ألا يذكرنا نور السّراج المتلاشي في الظّلمات الأبديّة بضآلة حياتنا التي تفنى في كلّ لحظة من اللّيل أو النّهار؟ أشعّة شمسك إنّ أشعّة شمسك تأتي لتعانق بأذرع من نور هذه الأرض التي هي أرضي. تمكث طيلة النّهار أمام بابي كيما تحمل إلىّ عند قدميك غيمات قلبي، تمازجها أناشيدي ومناجاتي ونشيجي. بلطافة جذلة، تقبّل تلك الطّبقة الرّقيقة من الحزن التي تغشاها الرّطوبة، فتصيّرها أشكالاً جديدة، تخطيطاتها لا نهائيّة. تسحقها حسب مشيئتك، فإذا بها أيقونات متلألئة قزحيّة الألوان. تلك الطّبقة الرّقيقة والخفيفة، تطفو مع الرّيح، تكون رخوة، داكنة وباكية: هكذا تريدها أنت يا سيّد السّكينة، كيما تحجب نورك البالغ البياض بظلال ذاك الوجع. أن نعرف الرّوح لا الأنا أن نعرف الرّوح لا الأنا، فتلك هي الخطوة الأولى نحو تحقيق الخلاص الأسمى. ينبغي أن نعلم وبيقين مطلق، أنّ الجوهر فينا هي الرّوح، وبأنّنا لن نستشعر حضورها إلاّ متى تخلّصنا من سطوة الأنا، وترفّعنا عن كلّ شهوة، عن كلّ خوف، عن كلّ كبرياء، وأدركنا بأنّة لا الخسارة الماديّة ولا الموت الجسدي، يمكن أن تنتزع منّا حقيقة وعظمة الرّوح. إنباء في لحظات شاردة كلّ منّا يجد نفسه محاطا بسياج يفصله عن الآخرين، كما الفرخ في قشرة البيضة، الذي وإن كان قد وُهب الحياة، فهو لا يزال محجوباً عن ضوء النّهار. بالنّسبة للإنسان، الخروج من القشرة التي هي الوعي، يعني انبثاق الرّوح. هذا ما نسمّيه «الولادة الثانية»: النّشأة في الواقع، في قلب الأشياء، وولوج الجوهر الكونيّ الملازم لكلّ شكل من أشكال الحياة. فكما الفرخ الذي بمجرّد مجيئه إلى العالم، يشعر بأنّه ملفوف بكلّيته بأجنحة الأمّ الكبيرة، يشعر الإنسان ساعة انبثاق الرّوح بأنّه ملفوف بما هو كليّ. فطالما أنّه لم يكسر قشرته، فمن الصّعب عليه تصوّر حالة الامتلاء، والغبطة العارمة التي ستشعر بها الرّوح المنفلتة من أسرها، ولكن ألا يتلقّى الإنسان إنباءً بذلك في لحظاته الشّاردة؟ أنت السّماء وأنت العشّ أيضاً أنت يا من يفيض جمالاً.. إنّ حبّك لمقيم في حشاشة الرّوح.. هنا.. حيث عشّ الألوان والرّوائح والأنغام.. ها قد أطلّ الصّباح وفي يمناه سلّة ذهبيّة مثقلة بإكليل الجمال يمضي ليجمّل بها الأرض.. وها قد أقبل المساء من دروب عذراء عبر المروج المنعزلة الخالية من القطعان حاملاً في جرّته الذّهبيّة شراب السّلام المنعش.. شراب اغترفه من الضفّة الغربيّة لبحر السّكون.. ولكن هناك حيث تنفسح السّماء بلا حدود، تستطيع الرّوح أن تبسط جناحيها وتحلّق.. هناك تسود الرّوعة ناصعة بيضاء.. فليس ثمّة ليل ولا نهار.. ولا أشكال ولا ألوان.. ولا أثر لأيّ كلام.. آه النّور؟ أين هو النّور؟ لتتلألأ أعراس النّور حياة متسرمدة بفيض من تأوّج اللّذة الملتهب. ها هو المصباح، لكنّه خالٍ، ليس ثمّة فيه أثارة من ذبالة ضوء مرتعش. أهكذا هي مشيئة الأقدار يا قلبي؟ آه.. لعلّ ملاك الموت يكون أكثر رحمة بك. إنّ يد الشقاء تقرع بابك وتزجي رسالته إليك بأن مولاك على أهبة الرّوح ساهراً الدّهر كلّه، يدعوك إلى هيكل الحبّ عبر ضباب أثير اللّيل. إن السّماء محتشدة بمواكب الغيوم، وقطرات المطر تهمي مشعشعة الفضاء كلّه في انثيال محموم، وكل ذلك قد جعل قلبي ملتبساً بالحيرة. إن بيارق السّحب قد أغمدت جفنيّ في هوّة الظّلمة الممتدّة حتّى حوافّ الأفق اللّامتناهي، إلّا أنّ قلبي ما زال يلتمس الدّروب الخبيئة التي تتناهى إليها أنغام موسيقى اللّيل. آه النّور؟ أين هو النّور؟ لتتلألأ أعراس النّور حياة متسرمدة بفيض من تأوّج اللّذة الملتهب. إنّ السّماوات مخضّبة بزمجرة الرّعود والرّيح الوحشيّة تسوطها بالعويل، واللّيل الأبديّ واجم في قنوط كالصّخرة السّوداء. آه.. لا تدع الأزمنة تتلاشى في قبور الظّلام، وأشعل مشكاة الحبّ بنور حياتك. خذني إلى الضفّة الأخرى لن أنسى ما حييت ذلك المقطع من أغنية كنت قد أنصتّ إليها ذات مرّة مع إطلالة الفجر: «خذني معك إلى الضفّة الأخرى أيّها المراكبيّ!» في صخب حياتنا اليوميّة، يرتفع دوما مثل ذلك النّداء: «خذني إلى الضفّة الأخرى». في الهند، السّائق، وهو يقود عربته، يمضي هازجاً: «خذني إلى الضفّة الأخرى». البائع المتجوّل الذي يبيع موادّه الغذائيّة، يردّد أمام حرفائه: «خذني إلى الضفّة الأخرى!». ولكن أين توجد الضفّة الأخرى؟ أوَتكون شيئاً آخر غير ما هو بحوزتنا؟ كلاّ، إنّ ما نبحث عنه، كامن في جوهر أعمالنا.. ونحن نرسل النّداء كيما نعبر إلى حيث نحن.. فأنّى لي العثور عليك في غير بيتي الذي غدا هو بيتك؟ كيف لي أن ألتقيك في غير عملي الذي غدا هو عملك؟ فلو هجرت بيتي، لن أبلغ أبداً بيتك، لو توقّفت عن عملي، فلن أنجح في الوصول إلى حيث تعمل أنت.. لأنّك تقيم فيّ وأنا أقيم فيك سأعدّل أوتارك على مقام الخلود أيّتها القيثارة إنّي لأغوص عميقاً في محيط الأشكال، يحدوني أمل العثور على اللّؤلؤة الكاملة التي لا شكل لها. لم أعد لأبحر من مرفإ إلى مرفإ في هذا القارب الذي عبثت به العاصفة.. فبعيدة هي تلك الأيّام التي كنت ألاعب فيها الموج وأغالبه.. أمّا الآن فإنّني أضحيت أتشوّف إلى الفناء في من لا يعتريه الفناء. وفي قاعة القضاء.. قرب الهاوية التي لا قرار لها، حيث تنبعث موسيقى عديمة النّغمات سأمسك بقيثارة حياتي سأعدّل أوتارك على مقام الخلود أيّتها القيثارة.. وعندما سيرتجّ نشيجك الأخير عند أقدام الصّامت الصّموت.. سأضعك بهدوء وأنت ساكنة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف