• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

كيف نرفع حجاب المايا؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 سبتمبر 2015

د. فتحي المسكيني

ربمّا ما أرّخه الشاعر هو تغيّر طبيعة العلاقة الأوروبية مع الهند: من الجغرافيا إلى العقل. وليس ذلك غير بروز النزعة الرومانسية باعتبارها مقام الروح في أفق الألمان. ولأوّل مرة تجرّأ تقليد ألمانيّ صريح وضخم، يذهب من هردر إلى شوبنهاور ونيتشه، مرورا بفلاسفة من قبيل فيشته وشيلنغ وهيغل وشلايرماخر، أو شعراء من حجم غوته وشلّر ونوفاليس، تجرّأ على كسر القرار الكلاسيكي الذي أسّست عليه أوروبا الجديدة «حداثتها»: ذاك الذي يحصر أصل النهضة الأوروبية في اليونان والرومان. وفي نطاق توتّر عميق بين الشعور الصوفي العريق لدى الألمان منذ المعلّم إيكهارت (ت. 1328) وبين نزعة التناسق الصارم للثقافة الكلاسيكية اللاتينية، حيث انحسر الفرنسيون والإنجليز، تولّدت الروح الرومانسية الألمانية ووجدت طريقها إلى الهند: بلاد كلّ ما هو «أصلي» من أديان وأعراق وآداب وفلسفات وتصوّف.

الهند هي الأصل

قال فريدريك شليغل: «كلّ شيء، أجل، كلّ شيء من دون استثناء إنّما يستمدّ أصله من الهند».

لكنّ تلفّت الفلاسفة والشعراء الرومانسيين الألمان نحو الهند إنّما كان أكثر تعقيدا من مجرّد فضول بعض الشعوب على أخرى. يقول كارل يونغ (ت. 1961) عن أحد المستشرقين الذين اهتمّوا بالهند (وهو يقصد Anquetil-Duperron) : «لقد قام بإدخال الروح الشرقية في الغرب، أمّا تأثير ذلك علينا فهو أمرٌ نحن لا نزال غير قادرين على تقديره. وعلينا فقط ألاّ نهوّن من شأنه». وحسب يونغ ليس من الصدفة أبدا أن يتمّ ذلك في لحظة اندلاع الثورة الفرنسية. ولا ننس أبدا أنّه حين جاء الإسكندر الأكبر غازيا للهند، و»الغرب» الأوروبي يبحث عن تاريخ لذاته، كانت الهند قد أكملت طورا مديدا من عمر العالم. هل ساهم هذا التفاوت في التوقيت الميتافيزيقي بين الهند والغرب في تحديد طبيعة اللقاء بينهما ؟ وما دور الفلاسفة الألمان في ذلك؟

يقول أموري دي ريانكور في كتابه روح الهند:»إنّ ما لم يستطع الغرب أن يفهمه هو أنّ الهند، مثلها مثل الصين، هي منذ زمن طويل قد تجاوزت نقطة التطوّر التاريخي التي بلغتها أوروبا وأميركا في القرنين التاسع عشر والعشرين».

إنّ عادة الغرب أن ينظر إلى الثقافات «الأخرى» وكأنّها صيغة منقوصة من «ذاته»، وليس باعتبارها كيانات «مكتملة» في ذاتها. وكان كانط وهيغل قد ضبطاَ الصياغة الفلسفية النموذجية عن هذا التصوّر، والتي تحوّلت إلى ضرب من الحسّ المشترك عند الغربيين: إنّهم شعوب الذاتيّة بحصر المعنى. وكلّ شعب لم يبن هويته على «كوجيطو» معيّن هو يمشي «خارج» التاريخ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف