• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الميول القومية العنيفة والصراعات على الأرض، والاستياء لفقدان السلطة، تقدم نفسها باعتبارها صراعات «دينية»!

«حقول الدم».. براءة الدين من العنف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 23 يناير 2015

في كل مرة يحدث فيها هجوم إرهابي في دولة من دول الغرب، على غرار ما وقع في فرنسا مؤخراً، يطل علينا بعض «المحللين» و«الخبراء»، الغربيين على الخصوص، من شاشات التلفزة أو من خلال مقالات في الصحف والمجلات، ويشرعون في رمي المسلمين بالعنف، إما عن جهل أو بتعمد الإساءة، بل إن بعضهم يذهب إلى حد الزعم بأن الإسلام بطبيعته دين عنف! متجاهلين أن الإسلام كلفظ إنما هو مشتق أصلًا من السلم والسلام، وأن السلام هو تحية الإسلام، وأن صلاة المسلمين تختتم بالسلام.

وللأسف ما فتئ هؤلاء المدعون يجدون في ما تقوم به مجموعات متشددة ومتطرفة محسوبة على المسلمين، مثل «داعش» و«القاعدة» بمختلف فروعها، ما يعزز ادعاءاتهم ويدعم افتراءاتهم. ولكن في كتاب «حقول الدم: الدين وتاريخ العنف»، تنبري كارن آرمسترونج، الباحثة البريطانية المتخصصة في الأديان، للدفاع عن الأديان -كل الأديان- نافيةً عنها صفة العنف، داحضةً بالحجة والبرهان ما يزعمه البعض من أن الأديان بطبيعتها دموية وعنيفة لتخلص إلى أن «المشكلة لا تكمن في النشاط متعدد الأوجه الذي نسميه الدين، وإنما في العنف الذي هو جزء من طبيعتنا البشرية».

بيد أن الكتاب لا يمكن اختزاله أيضاً في الدفاع عن الدين فحسب، لأنه يتعدى ذلك إلى بحث العلاقة بين الدين وتاريخ العنف على مر القرون. وفي هذا السياق، تنطلق آرمسترونج في رحلة تاريخية منذ ملحمة جلجامش البابلية إلى «القاعدة» في وقتنا الحاضر في محاولة للتدليل على ضرورة التركيز على السياقات السياسية المحيطة بالدين من أجل فهم السبب الذي يجعل العنف يرتدي في كثير من الأحيان رداء الدين. فتستعرض حالات تاريخية اشتهرت كنماذج للعنف الذي لم يسلم منه أي دين، من محاكم التفتيش المسيحية في إسبانيا خلال القرن الخامس عشر إلى الحركات الإسلامية المتطرفة وغيرها في القرن الحادي والعشرين، وكذلك تطرف وعنف اليهود المتشددين في إسرائيل. وفي كل نموذج من هذه النماذج تقريباً، تقول المؤلفة، كانت الميول العنيفة التي ظهرت في أماكن أخرى -إلى جانب القومية، والصراعات على الأراضي، ومشاعر الاستياء بسبب فقدان السلطة- تقدم نفسها باعتبارها صراعات «دينية»، والحال أن علاقتها بالدين في الحقيقة ضعيفة أو منعدمة.

وبشكل عام، يمكن تلخيص أفكار الكتاب في ثلاث نقاط هي كالتالي: أولًا، طوال معظم التاريخ البشري القديم، اختار الناس أحياناً أن يكون الدين جزءاً من كل ما يقومون به من أنشطة، بما في ذلك طريقة حكمهم، «ليس لأن رجال الكنيسة الطموحين زاوجوا بين نشاطين مختلفين وإنما لأن الناس كانوا يرغبون في أن يضفوا على كل ما يقومون به أهمية ومعنى».

ثانياً، هذا التداخل مع السياسة كان يعني أن الأديان قد تقرن في أحيان كثيرة بالعنف، والأمثلة في هذا الصدد غير قليلة: الصليبيون، الغزاة الإسبان في أميركا اللاتينية، «الجهاديون»، وغيرهم. والحال أن العنف، ينشأ دائماً تقريباً في السياسة ثم ينتقل إلى الدين، وليس العكس.

ثالثاً، لهذا السبب، يستشعر الناس ضرورة مواجهة ومحاولة السيطرة على العنف الذي يُرتكب باسمهم من قبل الدول، من دون أن يحمّلوا الدين مسؤولية ذلك. وهذا الأمر يمتد لفهم جذور العنف أو الإرهاب الموجّه ضدهم: «كمصدر إلهام للإرهاب.. تُعتبر الوطنية أكثر إنتاجية من الدين». وتستفيض آرمسترونج في هذه الفكرة من خلال التطورات التفاعلية للدين والدولة منذ عصر حضارة بلاد الرافدين إلى العصر الحديث، ولكن أساس أطروحتها واحد: أن الأديان براء من العنف الذي لا يعدو كونه تعبيراً سياسياً يرتدي مسوح الدين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا