• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

صناع القرار عجزوا عن استنباط الدروس المناسبة وإجراء المقارنات المفيدة بين الكساد القديم والركود المستجد

قاعة المرايا: الكساد والركود

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 23 يناير 2015

هناك مدرستان كبيرتان في التاريخ الاقتصادي للأمم، إحداهما ترى أن الناس لا يتعلمون كثيراً من دروس التاريخ والأزمات السابقة، وأنهم ينزعون دائماً لتكرار الأخطاء والهفوات، فيما تذهب المدرسة الأخرى إلى عكس ذلك مؤكدة أنه مع كل أزمة تتحسن قدرة الناس على الاستجابة بالنظر إلى تراكم التجارب والخبرات وتعلم الدروس، وهذه الأخيرة هي ما يسعى أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بيركلي بكاليفورنيا، باري إيشنجرين، لاختباره في كتابه «قاعة المرايا: الكساد والركود العظيمان، الاستخدام الجيد والسيئ للتاريخ» من خلال مقارنة الطريقة التي استجاب بها المسؤولون سواء في الولايات المتحدة، أو أوروبا، للأزمة الاقتصادية في 2008، وبين تلك التي تعامل بها المسؤولون في ثلاثينيات القرن الماضي مع الكساد العظيم. وانطلاقاً من هذه المقارنة يسعى الكاتب للإجابة عن سؤال جوهري ظل قابعاً في العتمة منذ 2008 هو: هل تعلم المسؤولون أثناء محاولاتهم التعامل مع الركود من دروس الماضي وتحديداً الكساد العظيم الذي هز الاقتصاد العالمي في بداية القرن الماضي؟ الحقيقة أن إجابة الكاتب ليست قاطعة، فهو وإن كان يعترف بتحسن قدرة المسؤولين على فهم الديناميات الاقتصادية على ضوء التجارب السابقة، إلا أنه لا يتردد في القول إن صناع القرار عجزوا عن استنباط الدروس المناسبة وإجراء المقارنات المفيدة بين الكساد القديم والركود المستجد.

لكن لماذا، يتساءل الكاتب، تقع الأخطاء والهفوات في التعاطي مع الأزمة الحالية، على رغم أن المسؤول الأول في أميركا وقتها ورئيس الاحتياطي الفيدرالي، لم يكن سوى بن برناركي، أحد مريدي الاقتصادي المخضرم ميلتون فريدمان الذي تخصص في دراسة الكساد العظيم ووصف له الدواء؟ يجيب الكاتب أن فهم المسؤولين الأميركيين لتشخيص «مليتون» كان حرفياً للغاية، فقد ركز ذلك الاقتصادي في دراسته لكساد الثلاثينيات على خصائص النظام المصرفي وقتها، حيث عانت المصارف من تسابق المودعين على سحب أموالهم، ما تسبب في الأزمة، ولكن مثل هذه الإشكالية ما عادت قائمة اليوم بالنظر إلى الإصلاحات التي أُدخلت على النظام المصرفي وباستحداث نظام التأمين على الودائع، فكانت النتيجة أن رفع المسؤولون أعينهم عن المنظومة المالية، والحال يقول الكاتب إنها ما زالت هشة، ولاسيما فيما يتعلق «بالنظام المصرفي الموازي».

وإذا كان الكاتب يقسو على المسؤولين الأوروبيين، معتبراً أن خطأهم الأكبر كان إنشاء العملة الموحدة في غياب وحدة سياسية، إلا أنه يعطي تقييماً جيداً لنظرائهم الأميركيين لاستيعابهم درساً أساسياً هو ضرورة التدخل السريع والحازم للحكومة عندما تضرب الأزمة وتطال القطاع المالي، مهددة الأسواق ومجمل الاقتصاد، ولذا يشيد الكاتب بالإجراءات التي باشرتها الإدارة الأميركية والاحتياطي الفيدرالي مثل الزيادة في الإنفاق العام وإغراق السوق بالسيولة، وعلى رغم أن المسؤولين الأميركيين كان بمقدورهم الإتيان بما هو أفضل، يبقى المهم في تعاطيهم مع الأزمة استيعابهم لدرس 1930 عندما تأخرت الحكومة وقتها في التدخل لإنقاذ الاقتصاد فانتهى الأمر بكارثة عالمية بتكلفة باهظة. ومن اللافت كما يشير الكاتب، نقاط التشابه بين فترتي الثلاثينيات من القرن الماضي، والفترة الراهنة التي أدت إلى الأزمة، فقد كان للطفرة الائتمانية والفقاعة العقارية التي وسمت الكساد العظيم الدور نفسه في اندلاع أزمة 2008، هذا ناهيك عن دور التكنولوجيات الحديثة سواء وقتها عندما اكتشفت الكهرباء، أو حالياً مع ظهور الإنترنت في تعزيز الثقة في الاقتصاد والأسواق وإدامة الرخاء الذي ثبت أنه هش وغير مستدام.

زهير الكساب

الكتاب: قاعة المرايا: الكساد والركود العظيمان، الاستخدام الجيد والسيئ للتاريخ

المؤلف: بيركلي بكاليفورنيا

الناشر: جامعة أوكسفورد

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا