• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

زنابق بيضاء من بستان جاك بريل

جاك السّاحر.. جوّال الأناشيد المنسيّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 يناير 2016

ترجمة - أحمد حميدة

انطفأ جاك برال منذ ستّ وثلاثين سنة، برال.. ذلك العاصف الصّاخب، المبدع المتّقد حماسة والمشاغب الذي لا يهدأ، برال الذي غادر «بلده المسطّح» ليرقد بجزر الماركيز، مضى ليترك بصمته مندمغة عميقاً في الزّمن الرّاهن، بل في الزّمن الآتي. «أن أكون مهرّجاً حدّ الموت، كيما أمرح في الصّحراء، أن أموت وأنا وجه لوجه مع السّرطان...». من أغنية «أن نشيخ» لقد قال برال ذات مرّة: «لا أريد أن أموت وأنا عجوز»، لكأنّ الموت كان يترصّد تلك الكلمات، وهو القاطع في أحكامه، فتكون سيرة حياته الفنيّة قد استغرقت بالكاد 20 سنة.

كشاعر جوّال لأناشيد منسيّة، وكمزاجيّ شهم وسموح، كان بريل يأنف أنماط العيش المعلّبة، بل كان يمقتها، مُنازل عنيد للخلود وللعبث، توفّق هذا الفنّان العارم في أن يكون شهادة نابضة على عصره وهو يلتقط إشارات الكونيّ، وأغانيه التي تخترق السّنين والأزمنة، رافقها هذا المبدع، ليستقرّ معها في أخصب وأدقّ زوايا الوعي الجماعي.

حياة فنيّة وفنّ حياة

جاك بريل هو ذلك الخيال النّحيل والممشوق ذو الأذرع البالغة الطّول، أذرع كان لا ينفكّ يلوّح بها وهو يواجه الجمهور. بريل هو مائة أغنية وطائفة من الشّخوص، هو تلك القصائد التي باتت معشّشة في الذّاكرة: العشّاق (les amants)، عندما لا نملك سوى الحبّ (quand on n›a que l›amour)، لا تتركيني (ne me quitte pas)، الديّوثون (les cocus)، المساكين (les paumés)، البرجوازيّون (les bourgeois)، العجّز (les vieux)، المنافقات (les bigotes)، البحّارة المبتذلون (les marins poissards)، وهي أيضاً ماتيلدا (Mathilde) ومادلين (Madeleine)، وجوجو (Jojo).. فيض من الصّور والخواطر، الواقعيّة والخياليّة، التي حرص على أن تبقى حيّة، نابضة في ذاكرة النّاس.

في الكوميديا الإنسانيّة التي كان يرسم تفاصيلها، كان بريل يقبل بكلّيته على التأّليف والغناء، وبكلّ عفّة كان يفعل ذلك، إذ لم يكن ليعرف لا الكذب ولا المداراة، فكانت كلماته انعكاساً لأفكاره، وموسيقاه ترجمة باذخة لنبض مزاجه. كان مخلصاً، رقيقاً، عنيفاً، مشرقاً وشفّافاً، وهو ذلك الفنّان الذي تلبّسه الفنّ فتجسّد فيه، ليكون الفنّان المطلق، الذي يتنفّس الفنّ كي يبقى ويستمرّ، فكان بذلك هو وأعماله صنوان متلازمان. فأيّ من الفنّان والإنسان والممثّل والمغنّي والشّاعر كان يفصح أكثر من غيره عن حقيقة بريل؟ لا شكّ، بأنّ بريل كان في الواقع وفي الخيال، واحداً في هذا التعدّد. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف