• الاثنين 03 جمادى الآخرة 1439هـ - 19 فبراير 2018م
  12:52    التلفزيون السوري: قوات موالية للنظام ستدخل عفرين خلال ساعات    

الكاتبة السعودية هناء حجازي في كتابها الجديد تؤكد أنه مختلف لكنه ليس أقل

طفل الأسبرجر.. مكتوب بالروح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 يناير 2013

محمد خضر

طفل الأسبرجر، مختلف، لكن ليس أقل، هكذا تضع الكاتبة والقاصة السعودية هناء حجازي عنواناً فرعياً لكتابها الجديد الذي صدر قبل أيام تحت عنوان “مختلف”. مختلف الذي كُتب بالروح، بحالة جميلة قلما نقرأها في أدبياتنا، حالة من الترقب والرصد فيما يشبه المهمة الصعبة التي تحكي فيها عن يوسف - وهو ابن الكاتبة - وسبب اختلافه وتلك الرحلة لاكتشاف المزيد عنه. فتقع الأم في حيرة الأسئلة وصعوبتها وتبدأ في استرجاع تفاصيل دقيقة في حياة ابنها؛ تلك المهمة التي تبدو صعبة لأول وهلة لكن الحب والمسؤولية تتطلبان ذلك..

تشمر الكاتبة عن ذاكرتها، تتقصى وتبحث وتعيد ترتيب الأوراق، فيجيء الكتاب عاطفياً تارة و نقدياً تارة وعلمياً تارة ثالثة، وبين كل هذا تتجلى حياة الكاتبة بوضوح وشفافية فتفرض إنسانيتها التحري والدقة لتتوغل في المزيد من الكشف الذي يقودها لعدد من التساؤلات الناقدة لكثير من المؤسسات التربوية والتعليمية، التي لم تسطع - مثلاً - تقييم وتثمين اختلاف يوسف لضعف هذه المؤسسات وقلة خبرتها واطلاعها على الجديد في مثل اختلاف يوسف، وبالتالي عدم تقديم فحص مقنع يزيل هذا القلق عنها.

وقبل ذلك كانت تتوجه بالأسئلة إلى نفسها تعاتبها وتحاول أن تكتشف شيئا قد يكون خفيا عليها : أنظر إليه كثيرا .. ولدي، وأسال نفسي ما هو الخطأ؟ في جيناتي؟ في جينات والده؟ هل أخطأت في شيء ما أثناء تربيته؟.. إلى آخر تلك الأسئلة التي تقودها إلى سيل من الحكايات حول طفولة يوسف منذ ولادته. والتي تلخص ما اعترى الكاتبة من هواجس في بداية كتابها عن حملها وتداعياته، وولادتها وما تظنه بوادر الحالة. كبر يوسف وكبر معه قلق والدته فلم تطمئن تماماً، بل وهي تلاحظ منذ فترة بعيدة حالته عبر عدد من المواقف يزداد لديها الإصرار في معرفة ماذا يحدث تماما؟

يقودها ذلك إلى مدرسة يوسف في الابتدائية وقبل ذلك في روضته والالتقاء لأكثر من مرة بمعلماته، ويقودها ذلك إلى الاختصاصيين النفسيين والبحث في صعوبات التعلم، وفي كل مرة يقودها بحثها إلى نتائج متقدمة لكنها لا تكفي ولا تقنعها، إذ ثمة ما تريد أن تعرفه تماما، وخصوصا أنها في كل مرة تكتشف تواضع المؤسسات المعنية بالطفل وتربيته وتعليمه. كان يوسف مختلفا في اهتماماته وفي طريقه لعبه وأسئلته، ذكاؤه كان دلالة على شيء ما وهذا ما يحدث مع حركته و إدراكه لبعض الأمور السابقة لأوانه، هو المتميز جداً في نواحٍ من الحياة ولكنه ليس أفضل في نواح أخرى، يرسم بتفوق وبقدرة لافتة ويتساءل ويحلل، وهو مهذب واجتماعي يتحدث كثيراً لكنه أفضل في إكمال المهام غير اللفظية، ونقص التعاطف والإحساس بالآخر على سبيل المثال، ولا تتوقف هناء حجازي عند هذا بل تضيف عدداً من خبراتها في هذا الموضوع “الأسبرجر” المتلازمة التي كما تشير اكتشفت من خمسين سنة عبر الدكتور أسبرجر، كما أن هناك من يعتبر الأسبرجر توحداً عالي الذكاء، وهناك من يشخصه بشكل مستقل تماماً عن التوحد.

تقول هناء: “يمكنني ألا اسمي ما يعانيه يوسف. أعرف ما يعانيه ، وأعرف أني استطيع تقبله والتعامل معه من دون أن أسميه، أعترف أنني ارتحت عندما عرفت ما يعانيه “. وفي كل مرة ومع كل معلومة تكتشفها وتبحث عنها تعرف يوسف أكثر، هناك أعمال روتينية يقوم بها، وأخرى يظهر فيها دقته وهوسه، كما مع ألعاب الفيديو، واستخدامه للغة بطريقة مختلفة، والمشكلة أن البعض يتعامل مع الأسبي - وهو الاسم المختصر للأسبرجر - على أنه ذو كلام غير مفهوم أو بشخصية مهزوزة وهذا ما يشعر بالغبن والقهر.

وتستعرض هناء بطريقة روائية تفاصيل الأسبرجر، وتضع اختباراته ومعلومات كاملة عنه وعن طريقة التعامل معه وعن الحالات الملتبسة به.. كما تضع اختبارا من 50 سؤالاً وتجيب عليها بالنسبة ليوسف، وهو اختبار عن العادات والسلوكيات في اللعب والتصرفات وعن اللغة والنطق والوعي بما حوله، وعن مهارات التواصل والحركي وغيرها.

كتاب هناء حجازي، هذا النص الذي لا يشترط تصنيفاً ولا قالباً معيناً يملي عليها ما تقول تماماً وبصرامة.. بل تفتحه إلى أفق لامتناهٍ وهي تدخل ما هو أدبي بما هو غير ذلك، ربما لأن الحياة هي من تقرر ذلك وصدق التجربة وشعور الكاتبة أن ما يجب هو ما يكتب، وأن ما يبقى هو ما نكتبه بصدق، أليست الحياة بكل ما فيها مادة غنية للكتابة الإبداعية؟ إذن فليكتبها المبدع بكل ما فيها وبكل معطياتها لنا، أياً كانت تلك المعطيات.

هذا الكتاب صافحتنا به الكاتبة، مضينا معها في هذه الرحلة، وعرفنا يوسف المختلف، وصادقناه عن كثب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا