• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

سيد حِجاب.. شاعر من تراب الوطن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 فبراير 2017

د. سعيد توفيق

رحل عن عالمنا العربي واحد من أعظم شعرائه المعاصرين. ومن المفارقات أنه رحل في الخامس والعشرين من يناير، وكأن القدر قد اختار له هذا اليوم ليكون تعبيراً عن مسيرته الطويلة التي ارتبط فيها بتراب الوطن وأحلام ناسه من البسطاء الذين يعيشون على أرضه.

عرفت سيد حجاب الشاعر الكبير على المستوى الشخصي منذ عشر سنوات تقريباً من خلال لقاءات بصحبة بعض الأصدقاء المشتركين، أو من خلال المجلس الأعلى للثقافة بمصر، ومن خلال لقاءاتنا القليلة بمجلس أمناء بيت الشعر الذي كنا معاً عضوين فيه. وحينما رشحه مجلس أمناء بيت الشعر لنيل جائزة الدولة التقديرية، كلفني المجلس بكتابة تقرير عن مبررات ترشيحه للجائزة، وقد نال الجائزة بالفعل في الفترة التي توليت فيها أمانة المجلس الأعلى للثقافة، وقد نال الجائزة مع أسماء ذات قامات كبيرة من أمثال الفنانة محسنة توفيق والمخرج داود عبد السيد والكاتب وحيد حامد وغيرهم؛ وإن كنت أرى أن هذه الجائزة قد تأخرت عنه كثيراً، وأنه كان جديراً بنيل جائزة النيل التي كانت تُسمى من قبل بجائزة مبارك. وإيماناً مني بوطنية هذا الرجل، فقد قمت بترشيحه ضمن الأسماء المرشحة لعضوية لجنة الخمسين المنوط بها وضع دستور مصر الجديد. لم أتفضل أنا أو غيري على هذا الرجل بشيء، لأن فضله واسع علينا جميعاً، سواء كنا شعراء أم مواطنين بسطاء. فما فضل هذا الشاعر على الشعر وعلينا جميعاً؟ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أن نقترب من إبداعه الشعري.

صوت شعري خاص

يعد سيد حجاب امتداداً للموجة الأولى من شعر الحداثة في العامية لدى صلاح چاهين وفؤاد حداد. ومع ذلك، فإنه يظل شاعراً أصيلاً، له صوته الشعري الخاص الذي يميزه عن رفاقه من أبناء جيله. على أن الخصوصية في شعره لا تتجلى فحسب على المستوى الصوتي والإيقاعي للغة، وإنما أيضاً على مستوى الدلالة والمضمون: فعلى مستوى اللغة، نجد لغته إيقاعية سريعة التتابع، معبرة عن تدافع الشعور وحماسته وتلقائيته، ومفتونة بالتلاعب بحروف اللغة المصرية العامية، بحيث تبدو اللغة هنا منسوجة من هذه الحروف، بحرفية عالية، ولكن بتلقائية في الوقت ذاته. وعلى مستوى المضمون والدلالة، فإن شعر حجاب ينحاز بوضوح إلى جانب الشعب والجماهير الكادحة من الفقراء والمهمشين والمقهورين والبسطاء من الناس بوجه عام. كما يتجلى في شعره طابع التمرد الذي يحث على مناهضة كل أشكال الظلم والقهر السياسي والاجتماعي. وهو في تعبيره عن هذا المضمون لا يلجأ فحسب إلى «تيمة التمرد»، وإنما يلجأ أيضاً إلى أساليب فنية أخرى مستلهَمة من الروح الإبداعية المصرية؛ فنجد في شعره روح السخرية، ورحابة بيرم، ومربعات ابن عروس، وسير بيبرس والهلالي، كما نجد استلهاماً لدلالات رمزية مستمدة من كل طبقات التاريخ المصري.

وينبغي هنا أن نتوقف وقفة قصيرة لنبدي ملاحظة عامة وإن كانت جوهرية، فنقول: إن شعراء العامية كُثُر، ولكن سيد حجاب متفرد بين هذه الكثرة، ليس فقط من خلال التقنيات التي يبتدعها، وإنما أيضاً من خلال تلك القرابة الوثيقة التي نجدها في شعره بين الفصحى والعامية، بحيث تبدو العامية لغة بليغة تعبر عن ظلال ومعانٍ للكلمات المعيشة التي لا تستطيع الفصحى توصيلها بشكل مباشر (وإنما يمكن فقط أن تترجمها). ولكن هذا لا يكون ممكناً إلا من خلال معرفة وثيقة بالفصحى كلغة شعرية، وهذا حال كل شعراء العامية العظام. والأمر هنا شبيه عندي بموقف الفنان التشكيلي عندما يخرج على قواعد وقوانين الفن الكلاسيكي، وحينما يخرج الفنان ما بعد الحداثي على فن الحداثة؛ فالمسألة هنا ليست بمثابة فن يلغي فناً آخر، وإنما فن يستوعب ما سبقه في باطنه ويلتمس أساليب أخرى في التعبير قد لا يطولها الفن الذي يسبقه أو الذي يوازيه. ولهذا السبب ذاته يمكننا القول إن بيكاسو لم يخرج على قواعد الفن الكلاسيكي إلا بعد أن أتقنه ومارسه بالفعل. وعلى هذا النحو ذاته ينبغي أن ننظر إلى شعراء العامية العظام الذين ينتمي إليهم سيد حجاب.

من الفصحى إلى العامية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا