• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  03:32    شيخ الازهر يدين "العمل الارهابي الجبان" ضد كنيسة قبطية في قلب القاهرة    

«مونودراما الفجيرة» يمنح ليلته الثامنة لإسبانيا الحرب الأهلية

«عرس الدم».. بالأحمر والأسود والخراب كلّه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 28 فبراير 2016

عصام أبو القاسم (الفجيرة)

كشف العرض الإسباني الذي قُدم مساء أمس الأول بمسرح بيت المونودراما في إطار مهرجان الفجيرة الدولي للفنون تحت عنوان «عرس الدم» أن مسرحية الشاعر الإسباني الأشهر فدريكو غارسيا لوركا (1898 1933)، يناسبها أن تأتي في قالب مونودرامي بأكثر من أي شيء آخر، بخاصة من خلال التركيز على شخصية «الأم»، فأحداث المسرحية، التي ترجمت إلى لغات عدة، تبتدئ منها وتنتهي إليها.

زاوج العرض الإسباني «عرس الدم» الذي أعده وأخرجه باتي دومينيك، بين وقائع مركزية في النص وجانب من حياة لوركا. لمحة من مشهد الخطبة بين الفتاة وعاشقها الجديد، ثم لمحة أخرى من لحظات مغالبة أم الخطيب، لهواجسها وشكوكها وخوفها عندما تعلم أن الفتاة التي اختارها ابنها الوحيد كانت خطيبة لليوناردو ابن عائلة فليكس، أي ذات العائلة التي أفقدتها زوجها وابنها الأكبر في صراع ثأري.

في النص، ينسى ليوناردو أنه متزوج حين يعلم بخطبة حبيبته السابقة، ولا يقدر على منع نفسه من زيارتها ليكاشفها بأنه لا زال يحبها. تصر الخطيبة على متابعة المشوار مع خطيبها الجديد، وتبقى تصارع رغبتها في العودة إلى حبيبها الأول ولكنها لا تصمد كثيراً ويغلبها الحب فتستجيب إلى طلب ليوناردو وتفر معه هاربة في يوم العرس، إلى الغابة، ويخلف سلوكها وقعاً سيئاً في نفس الخطيب وأمه، وهذه الأخيرة، الغاضبة والكتوم والمجروحة، لا تملك إلا أن تدفع ابنها دفعاً إلى ملاحقتهما وهو ما حصل وكانت نتيجته معركة دموية بين الخطيب والحبيب انتهت بمقتلهما.

صمم المخرج خشبته بقطعتي قماش، في اللونين الأحمر والأسود، متدليتين من أعلى، استخدم الأولى لتجسيد دلالة الدم فيما استعان بالأخرى لتشكيل شخصية المرأة الرائية أو العرافة، المتشحة بالسواد، التي ترشد الخطيب إلى مسار الخطيبة وحبيبها الأول في الغابة، ومن بين الحلول التي استخدمها المخرج أيضاً: شاشة العرض، التي توسطت خلفية الخشبة، ووظفت توظيفات عدة، فلقد انعكست عبرها مشاهد الاقتتال الأهلي في إسبانيا النصف الأول من القرن الماضي، كما مررت عبرها صورة القمر الذي تترسم عبر خيوط شعاعه كآبة الموت.

وعبر الإضاءة وحركة الممثلة ماريا فيدال ورقصاتها، ثم النواح والإشعار الحزينة، نجح المخرج في منح عرضه، الذي تكلم باللغة الإسبانية، بعداً درامياً ومشهدياً مركباً، وهو ما تجلى في تفاعل معظم المتفرجين معه، كما ذُكر في الندوة النقدية التي تلت العرض وأدارها المسرحي الإماراتي حسن رجب.

ومع أن اللغة الإسبانية التي تكلم بها العرض حجزت المتفجرين دون ثراء الحوار الشعري الملفوظ إلا أن التقنيات التي استخدمها المخرج، والأداء متعدد المستويات للممثلة، كل ذلك أضفى على صورة العرض جمالية لافتة.

لا يمكّن الطابع المعقد لدراما النص، الذي يتميز عن العديد من نصوص المسرح، من تقديم شخصياته مجتمعة، من دون أن يميز بينها على أساس قيمتي الشر والخير، فهي كلها خيرة وشريرة في الوقت ذاته، وهو ما ظهر في هذا العمل بوضوح تام، فنحن نتحيز للأم لأنها أرادت أن تفرح بعد حزن طويل بزواج ابنها الوحيد، ولكنها أيضاً تحرض ابنها على مجابهة خاطف حبيبته، والخطيب يستحق أن يتزوج بالبنت التي أحبها، ولكنه يظهر كقاتل وقتيل في نهاية العرض، وفيما يتعلق بموقف الحبيب والخطيبة فيمكن فهمه وتفهمه على أساس أن للعاطفة سطوتها، ولكن مسار الأحداث يأخذهما إلى التسبب في مأساة، وهو ما يربك منظورنا السابق لهما.

بالمجمل، تبدو الشخصيات مجتمعة كأنها محكومة بقدر لا يد لها فيه، وهي ماضية، أرادت أو لم ترد، إلى مصائرها المرسومة مسبقاً. أما مرد هذا القدر المأساوي، فهو الاحتراب الأهلي، والذي تجسده المسرحية في صراع عائلة الخطيب وآل فيلكس، فمما خلفته من رواسب انتقام وثأر في نفوس الأهالي، جاءت أحداث هذه المسرحية الدامية.. إنها الحرب ذاتها التي أفقدت العالم شاعر غرناطة الشاب، بطريقة أو بأخرى.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا