• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

التفاصيل أو الحداثة بلا ذاكرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 27 أغسطس 2015

د. فتحي المسكيني

ما هي «التفاصيل»؟ هل هي شذرات بلغ بها الصغر أن تحوّلت إلى غيمة مبهمة من الإشارات إلى غائب فقد ملامحه وتلفّت عنّا بلا رجعة؟ أم هي دوائر من المعنى بلغت من التعقيد ومن الضخامة أن صار كلّ كلام عنها رجماً بالغيب وحديثاً معمّى، بحيث أصبح السكوت عنها هو الشكل الوحيد من إنقاذ العلاقة معها؟ هل التفاصيل ما لا نراه لدقّته؟ أم هي ما لا يمكننا أن نحيط به لعظمته؟

ما أكثر تفاصيل الشخص المعاصر: كلّ جزء من حياته اليومية تفصيلة تحتاج إلى توضيح خاص. إنّه هووي إلى حدّ الندم. ومع ذلك هو يحرص على تفاصيله. وكل ركن من جسده أو من بيته أو من حياته الخاصة هو تفصيلة أو حزمة من التفاصيل التي لا يقبل التفاوض حولها. يقول فولتير في بعض رسائله: «يا لشقاء التفاصيل، إنّ العصر اللاحق يهملها كلّها». ربّما كان شقاء التفاصيل هو الثروة الوحيدة التي يملكها فرد أو شعب ما. هل ثمّة ذاكرة قوية أو في صحة زمانية جيّدة من دون قدر كاف من التفاصيل؟

تأريخ

حين نؤرّخ لمفهوم «التفاصيل» نجده قد عرف مع الأزمنة الحديثة تحوّلا مربكاً، ولكن لا يخلو من طرافة: كانت التفاصيل مقدّسة، كانت جزء لا يتجزّأ من القصص المقدّس لجماعة روحية معيّنة. وكلّ «إله» يحرص على ترتيب تفاصيل المؤمنين به. كلّ قبيلة وتفاصيلها، وكلّ طائفة وطريقتها في سرد التفاصيل المؤسّسة لنموذج عيشها في العالم الخاص بها. وكلّما كانت التفاصيل أصلية وأولى وبدائية، كانت سلطتها أكثر قوة وأوسع مهابة وجلالة. وعلينا أن نسأل: لماذا نشعر بأنّ جميع الأديان تقصّ التفاصيل نفسها؟ ربما كانت الإنسانية مجموعة مختارة من التفاصيل، بعد أن تمّ حرق جميع القصص التأسيسية الأخرى المنافسة؟

ليس صحيحاً أنّ الإله التقليدي «لا يدخل في التفاصيل»، كما أشار إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي المعاصر فلادمير يانكلفيتش في كتابه «الموت»، معلّلاً ذلك بأنّه «يترك التفاصيل للمخلوقات، حتى تجد الحرية النصفيّة للإنسان مجالا لكي تعمل». كأنّ تدخّل الآلهة في التفاصيل سوف يحرم الحرية الإنسانية- وهي «نصف حرية» فقط- من فرصتها الميتافيزيقية لكي تعمل. تبدو الحرية بمثابة نصف التفاصيل. أمّا النصف الآخر، فهو القدر، أو أيّ إرادة أخرى. ولكن علينا أن نسأل: هل يمكن للإنسان أن يكون حرّاً، وهو لا يملك من ذاته إلاّ التفاصيل؟ لأنّ إرادة أخرى قد حجبت عنه قدره؟ ولكن هل ثمّة كمال بلا تفاصيل؟

يقول ليونار دا فنشي: «إنّ التفاصيل هي التي تصنع الكمال. لكنّ الكمال ليس تفصيلة من التفاصيل». - ما ينبغي أن نضيفه إلى أنفسنا أو إلى حياتنا أو إلى رؤيتنا للعالم لا يمكن أن يكون مجرد تفاصيل. مع الحداثة نزل الكمال إلى التفاصيل، ودخل في تفاوض جماليّ مرير معها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف