• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

سبح عكس التيار بشجاعة

دستويفسكي.. روائي ضد الإرهاب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 27 أغسطس 2015

حسّونة المصباحي

كان للتجربة السيبيريّة هذه، والتي خلّدها في عمله الذّائع الصّيت: «ذكريات بيت الموتى» تأثير حاسم على مساره الفكريّ والإبداعيّ. وجاءت أغلب الروائع التي كتبها انطلاقاً من العام 1860 مثل «الجريمة والعقاب»، و«الأبله»، و«الإخوة كارامازوف» و«الممسوسون»، وغيرها موسومة بمرارة وجراح تلك التجربة المريرة والقاسية التي أعادته إلى الإيمان باللّه، وإلى المسيحيّة الأرثوذوكسيّة.

براءة

لم ينتسب فيدور دستويفسكي، في الحقيقة، إلى مجموعة إرهابيّة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولم تكن له أبداً نيّة اغتيال القيصر. كلّ ما في الأمر أن الفشل الذّريع الذي مني به في بدايات مسيرته الإبداعيّة، دفعه إلى ارتياد الحلقات الثوريّة السريّة التي كانت تناقش أطروحات وأفكار الفلاسفة والمفكرين والمنظّرين الاشتراكيّين الذين برزوا في ذلك الوقت، والذين كانوا يدعون إلى الثورة على النّظام القيصري، رمز الظّلم والاستبداد بالنسبة لهم. وابتداءً من عام 1850، شرعت السلطات الروسيّة في التحرّك للبطش بالمعارضين لها، مظهرة قسوة شديدة في قمعها. وبسبب المطاردات والملاحقات التي كان يتعرّض لها المناضلون الثوريّون، والمتردّدون على الحلقات السريّة، ظهرت تيّارات متطرّفة تدعو إلى ما أسمته بـ «العنف الثّوريّ»، وتحرّض عليه بهدف الإطاحة بالنظام القيصريّ.

وكان باكونين الذي أمضى الشّطر الأكبر من حياته متجوّلا عبر البلدان الأوروبيّة، محرّضاً على الثورة، ومن أبرز وأهمّ زعماء التيّارات المتشدّدة. وبعد فشل حركة «باتّجاه الشعب» التي كانت تدعو إلى «ثورة سلميّة» من خلال تعبئة الفلاّحين، وتنوير عقولهم، ازداد التطرّف انتشاراً داخل الحركات الثوريّة الروسيّة، وأصبح دعاة العنف يتحكّمون في الحياة السياسيّة داخل روسيا وخارجها. وتحت تأثيرهم، ظهر العديد من التّنظيمات التي أخذت تدعو أنصارها إلى اغتيال الوزراء، والموظّفين الكبار، والمسؤولين عن الأمن العام. وكان ناتشياف، وهو من أتباع باكونين، من أشدّ الثورييّن الرّوس تشدّداً، وتطرّفاً. ولأنه ارتاب في أمر أحد المنتسبين إلى المنظّمة التي كان يشرف عليها ظانّاً أنه قد يكون جاسوساً للنظام القيصريّ، فإنه لم يتردّد في قتله، وإلقاء جثّته في أحد المستنقعات. وكان لذلك الحادث المأساويّ الأليم بالغ الأثر على فيدور دسويفسكي. لذا سارع بجعله الموضوع الأساسي لروايته «الممسوسون» التي عالج من خلالها مسألة الإرهاب الذي استفحل في روسيا في تلك الفترة وبات يهدّد الأمن العام بصورة بيّنة وخطيرة. ويتأكّد لنا ذلك من خلال قولة باكونين الشهيرة: «علينا أن نعدّ أنفسنا دائماً وأبداً، ومن دون كلل ولا ملل، للتدمير الكامل والنهائيّ لكلّ ما تبقّى من البنى الاجتماعيّة القديمة».

ويضيف باكونين قائلًا: «السّمّ، والخنجر، والحبل، كلّ هذه الوسائل صالحة للثّورة المقدّسة التي نطمح إليها». ومثلما هو الحال في مجمل أعماله الروائية، أظهر دستويفسكي في «الممسوسون»، أنه روائيّ الأفكار بامتياز. لذا فإن الشخصيّات في هذه الرواية لا تخضع إلى القوانين السّيكولوجيّة التي تفرضها الحياة الاجتماعيّة مثلما هي الحال عند بالزاك، أو ديكنز، وإنّما «هي ترضخ إلى الأفكار التي تحرّكها، ومن خلالها يتجلّى مصيرها». وقد حرص دستويفسكي على أن تكون روايته من البداية إلى النهاية ردّاً واضحاً على أطروحات الثورييّن الاشتراكيين الروس الذين كانوا يعتقدون أن خلاص روسيا، والشعب الروسي، لا يمكن أن يتمّ إلاّ بالإطاحة بالنظام القيصريّ، وبتقويض السلطة الروحيّة التي تمتلكها الكنيسة الأرثوذوكسيّة.

ستافروغين هو الشخصيّة الرئيسيّة في «الممسوسون». ولعلّ دستويفسكي أراده أن يكون عاكساً لشخصيّة نيكولا شباكنيف، وهو ثوريّ روسيّ شديد التعصّب في أفكاره. وكان يجاهر بإلحاده، ولا يتردّد في تصفية رفاقه الذي يتلكّأون في إطاعة أوامره. وفي الرواية، جعل دستويفسكي ستافروغين يتمتّع بقدرة هائلة على التأثير على جميع أفراد المجموعة الثوريّة التي يشرف عليها. جميعهم يطيعونه طاعة عمياء، وينفّذون أوامره بدقّة متناهية. وجميعهم يخضعون لنفوذه الذي «يبدو وكأنّه بلا حدود». لكن شيئاً فشيئاً، يصبح ستافروغين ضحيّة لتناقضاته. فعندما يرغب في تحقيق عمل نافع، يرتكب فعلة شنيعة تبطل وتفسد الهدف الذي كان يرمي إليه. وعندما يحاول أن يظهر أنه متسامح مع الآخرين، يكشف في لحظة من اللّحظات عن تعصّبه البالغ، وعن رفضه المطلق لكلّ ما يقدّمه آلآخرون من أفكار وآراء. وحين يبالغ في فرض سلطته، يتبدّى فجأة ضعفه وهشاشته وعجزه. وفي النهاية، ومثل كلّ الإرهابييّن المتعصّبين، يدمّر ستافروغين نفسه بنفسه!.

شخصيات كاريكاتورية

أمّا الشخصيّات الأخرى في «الممسوسون» فجميعها كاريكاتوريّة، تخضع خضوعاً تامّاً لستافروغين، ولا تتمتّع بأيّ استقلاليّة، ولا بأيّ إرادة. إنها شخصّيات بائسة تمضي جلّ أوقاتها وهي «تدور حول الشيطان الأكبر»، معتقدة أنه الوحيد القادر على إنقاذ روسيا من مصيرها المعتم، ومن المظالم المسلّطة على شعبها. وفي النهاية تصرخ إحدى الشخصيّات قائلة: «لقد كنّا نريد الحرية.لكن ما نحن فعلناه قادنا إلى الاستبداد المطلق». وقبل أن يشرع في كتابة «الممسوسون»، كتب دستويفسكي إلى أحد أصدقائه يقول: «سأقول كلّ شيء في روايتي القادمة. ومن البداية إلى النهاية». وفعلاً كان الأمر كذلك. فقد فضح صاحب «الجريمة والعقاب» المنظّمات والتيّارات الثوريّة الروسيّة التي كانت تشرّع آنذاك الإرهاب، وعليه تحرّض، منتقداً إيّاها بشدّة متناهية. وبذلك أثبت أنه روائيّ فذّ وشجاع. ففي تلك الفترة العصيبة من تاريخ روسيا، كانت مواجهة مثل تلكم التيّارات أمراً خطيراً. لذا كان أغلب المثقفين والكتاب والمفكرين يسعون إلى تفادي ذلك، بل إنهم كانوا يسعون لتبرير ما كانت تقترفه من أعمال وجرائم باسم الثورة، والشعب، محاولة كسب ودّها. أمّا دستويفسكي فقد سبح ضدّ التيّار مثلما هو حاله دائماً وأبداً. وفي النهاية كسب الرهان، ذلك أن التاريخ الروسي والعالمي أثبت بصفة قطعيّة أن الإرهاب لا يقود إلاّ إلى المزيد من المآسي والفواجع، وإلى المزيد من الفقر الروحي، سواء بالنسبة للشعوب أو بالنسبة للأفراد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف