• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م
  02:55    الفصائل المعارضة تدعو لهدنة من خمسة ايام في حلب واجلاء المدنيين        02:57    الفصائل المعارضة تدعو لهدنة من خمسة ايام في حلب واجلاء المدنيي    

«داعش» و«الإخوان» و«النصرة» و«القاعدة»، وكل الأورام الإرهابية السرطانية، تأكل جسد الأمة.. وبحكم الاعتياد صارت هناك ألفة بيننا وبين الدم والدمار والخراب

جعجعة بلا طحن وكلمات بلا لحن!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 26 أغسطس 2015

تصورت أنني نمت نومة أهل الكهف، وبعثني الله بعد ثلاثمئة وتسع سنين، أو مت مئة عام مثل سيدنا عزير وبعثني الله بقدرته، وتساءلت: كم لبثت؟ وأجبت أنني لبثت يوماً أو بعض يوم.. لأنني سأجد أمتي كما هي لم تتغير وحروبها وكلامها لم يتسنه.. ولا يمكن أن أصدق أنني نمت ثلاثمئة وتسع سنين أو مت مئة عام.. ربما يتغير الأشخاص والصور، لكن الفيلم واحد والسيناريو كما هو والتحليل هو نفسه لنفس الأحداث.. والأحداث والحروب التي تعصف بأمتي العربية هي نفسها التي وقعت قبل ألفي عام في الجاهلية بين عبس وذبيان، وبين تغلب وبكر، وبين القبائل كلها لأسباب تافهة ومخزية.

لم يتغير شيء سوى الشخوص والسلاح، لكن اللا فكر، والهراء، والعبث، والرفث، والفسوق، والعصيان، كما هو والاستنزاف كما هو.. نفس الحروب الطويلة التي تستمر مئة عام أو أربعين عاماً.. نفس الكبر، والعنجهية، والطائفية، والعزة بالإثم.. إننا لا ننتج أفلاماً جديدة، لكننا نعيد إنتاج أفلامنا القديمة بأبطال ومخرجين جدد وبالألوان بدلًا من الأبيض والأسود، كما نعيد التوزيع الموسيقي لأغنيات قديمة بأصوات جديدة مع الإبهار والرقص والصداع المزمن.. والصورة دائماً أسوأ من الأصل.. وهذا ما يحدث في السياسة، والاقتصاد، والفن، والثقافة بأمتنا العربية.

حروب الاستنزاف تعصف بالعرب في كل مكان.. باليمن، والعراق، وسوريا، ومصر، وليبيا، ولبنان، وتونس، وفلسطين.. استنزاف الدماء والثروات. نستطيع دوماً دخول الأزمة، لكننا لا نستطيع أبداً الخروج منها، ويتم استدراجنا إلى المجهول.. والقتيل عربي، والقاتل عربي والسلاح غربي، أو إيراني، أو تركي، أو إسرائيلي.. وكأنها حروب بالوكالة عن تجار السلاح.. وقتلانا بأيدينا أضعاف قتلانا بأيدي من كنا نسميهم أعداءنا، والخصومات والصراعات العربية العربية أضعاف الكراهية لأي عدو خارجي.. وكل الأحداث تبدأ ساخنة وتتصدر الصفحات الأولى للصحف العالمية ومع استمرارها تتراجع إلى الصفحات الداخلية وتبرد حتى التجمد وتصبح مملة ورتيبة.

حتى موت العشرات قتلاً وذبحاً وحرقاً كل يوم لم يعد خبراً ذا معنى، أو ذا قيمة، لأن الإنسان كما يقال حيوان يعتاد كل شيء.. وبحكم الاعتياد صارت هناك ألفة بيننا وبين الدم والدمار والخراب.. لم يعد يطرف لنا جفن.. ونتابع بنصف وعي.. ونرى الكوارث العربية ونحن نضحك، أو نأكل، أو نشرب.. نصف العرب الآن لاجئون ونازحون ومشردون في بلادهم أو في بلاد أخرى أو عالقون على الحدود.. حتى التعاطف مع هؤلاء لم يعد له وجود.. جرائم إسرائيل أصبحت «لعب عيال» إذا قيست بجرائم العرب ضد العرب.

لا وجود الآن لقضية فلسطين ولا لقضية أو أزمة لبنان.. أطفئت الأنوار تماماً عن فلسطين ولبنان. فلسطين تأكل نفسها ولبنان يدمر نفسه ولا دور ولا وجود لإسرائيل كعدو.. فالفلسطينيون بينهم ما صنع الحداد واللبنانيون أعداء بعضهم.. والعراق يتآكل، وسوريا انتهت، وليبيا دولة سابقة، واليمن مسلسل لا أحد يعرف له نهاية.. و«داعش» و«الإخوان» و«النصرة» و«القاعدة» وكل الأورام الإرهابية السرطانية تأكل جسد الأمة بالقطعة حتى يخر هذا الجسد ونعلم بعد فوات الأوان أننا كُنَّا في العذاب الأليم.

والحديث عن مؤامرة ضد الأمة العربية ولتقسيم المقسم في العالم العربي أصبح حديثاً سخيفاً ومملاً ويشبه تماماً تبرير التلميذ الخائب لفشله بأن المعلمين يتحالفون ضده ليرسب.. لا أحد يتآمر علينا، لكننا نتآمر على أنفسنا، وإذا كُنَّا أدوات في أيدي متآمرين، فهذا ذنبنا وليس ذنب المتآمرين.

إن المؤامرة شماعة نعلق عليها خطايانا، والتآمر حق أصيل لكل دول العالم، فلماذا لا يمارس العرب حقهم في التآمر على الآخرين؟ لماذا يرضى العرب على الدوام بدور المفعول به ولا يمارسون مرة واحدة دور الفاعل؟ إسرائيل، وإيران، وتركيا، وأميركا، وروسيا، وأي قوة أخرى تتآمر علينا بنا؛ بأبناء هذه الأمة تحت مسميات وعناوين كثيرة مثل حقوق الإنسان والسلام والتقدمية والخلافة الإسلامية.. وكل الثنائيات التي كرهناها وأوردتنا المهالك. التقدميون ضد الرجعيين.. والمؤمنون ضد الكفرة، والسنة ضد الشيعة، ودائماً تبتلع الشعوب العربية الطعم، ولم يحدث يوماً أن كان هناك وفاق أو اتفاق عربي، وكانت الوحدة العربية على مر العصور حلماً تحول فيما بعد إلى كابوس، وفي كل العهود والأزمات نسمع جعجعة ولا نرى طحناً، جعجعة المحللين والخبراء والساسة بلا أي طحن.. والقول دائماً ساخن والفعل بارد، تماماً مثل مباريات كرة القدم في كل الدول العربية، حيث تشعر من كلام المعلقين أن المباراة عالمية ونارية وتسمع الإسراف في ألقاب اللاعبين والقذائف التي لا تصد ولا ترد بينما في الملعب مباراة باهتة وأداء قزمي عاجز لا قيمة له.. حتى أننا نلعب كرة القدم بألسنتنا لا بأقدامنا ولا برؤوسنا.. وصراعات الجماهير المتعصبة خارج الملعب نارية، بينما الملعب نفسه ليس فيه ما يدعو إلى هذا الصراع. إنه نفس الأداء في السياسة وفي المشهد العربي كله.. حيث حرب عبثية ضد الإرهاب.. وأزيز طائرات وضربات جوية، بينما الإرهاب يتمدد وينتشر كالسرطان.. إنها الجعجعة التي بلا طحن والكلمات التي بلا لحن!

محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا