• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

إذا لم تستطع الحكومة اليونانية بقيادة تسيبراس أو غيره، جمع عائدات الضرائب المطلوبة لنجاح برنامج الإنقاذ، فستنهار الصفقة من الأساس

اليونان.. المصير المعلّق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 25 أغسطس 2015

الجدل عن صفقة إنقاذ ثالثة لليونان يتمركز حول الشقاق السياسي وقدرة البلاد على الوفاء بالديون. وربما يكون الأهم من هذا هو قدرة البلاد على اتباع نهج اقتصادي عقلاني وتطبيق الإصلاحات وجمع الضرائب. واستناداً إلى إحصاء عائدات الحكومة في الآونة الأخيرة، فإن تحقيق هذه الأهداف مازال بعيد المنال. والمغامرات السياسية قد تعرقل المسار. فحزب «سيريزا»، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس ينقسم إلى جناحين وربما يواجه تسيبراس نفسه تصويتاً بعدم الثقة في البرلمان بعد الموافقة على صفقة الإنقاذ. وإذا أجريت انتخابات قريباً، ربما تحاول حكومة جديدة التنصل من التزامات تطبيق البرنامج القاسي الذي يستلزمه الإنقاذ. لكن لا يوجد إلى الآن بديل قادر على الصمود يغني عن تنفيذ الإجراءات التي قبلها تسيبراس. ولن يكون لدى أي حكومة يونانية الوقت ولا المال ولا القدرات الفنية للعودة إلى عملة «الدراخما» سريعاً، وهو ما لا يريده الناخبون على أي حال.

ومن شبه المؤكد أن يوافق البرلمان الألماني على الصفقة اليونانية كما سيوافق عليها عدد من البرلمانات الأوروبية الأخرى. والأسئلة بشأن القدرة على سداد الديون واستعداد صندوق النقد الدولي للمشاركة في الإنقاذ، قد لا تكون مهمة كثيراً. فعبء ديون اليونان تيمكن إدارته على مدار فترة صفقة المساعدة، وتستطيع أوروبا الاضطلاع بالمهمة دون مشاركة من صندوق النقد الدولي. وعندما وضع زعماء الاتحاد الأوروبي واليونانيون بنود الصفقة، أدركوا أن نجاحها النهائي يعتمد على قدرة اليونان على تنفيذ شروطها. وجاء في مذكرة التفاهم ليوم 11 أغسطس: «النجاح يتطلب تطبيقاً مستداماً للسياسات المتفق عليها على مدار سنوات كثيرة.. ولتحقيق هذه الغاية، الالتزام السياسي مطلوب ومطلوب أيضاً القدرة الفنية من الإدارة اليونانية على التنفيذ».

وبحسب أحدث بيانات عن الميزانية، حققت اليونان فائضاً تراكمياً أولياً يبلغ 3.5 مليار يورو حتى نهاية يوليو، مما يمثل 2٪ من إجمالي الإنتاج المحلي لعام 2014 في تجاوز للحد المستهدف والمقدر بنحو 2.99 مليار يورو. وهذا الأداء لحكومة سيريزا المعارضة لسياسة التقشف، يوحي بأن تحقيق فائض أولي متوسط الأمد يبلغ 3٫5٪ من الإنتاج المحلي الإجمالي ليس مستحيلاً. وهذا التفاؤل قد لا يكون في محله لأن الفائض لم يتحقق من خلال زيادة العائدات، وهو ما يطالب به الاتحاد الأوروبي.

وفي يوليو الماضي، بلغت عائدات ميزانية اليونان 3٫2 مليار يورو أو أقل، بنسبة 40٪ من الحد المستهدف. وذكرت الحكومة اليونانية أن العجز يمكن تبريره بقرارها السماح لدافعي الضرائب من الأفراد والشركات بأن يرجئوا تقديم إقرارات الدخل والضرائب على العقارات. وهذا هو السبب الذي أشارت إليه عند فشلها في تحقيق الهدف، في مايو الماضي.

ومن الأسباب الأخرى للعجز، فشل البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية لدول الاتحاد الأوروبي في أن تعيد لليونان فوائد سندات الحكومة التي لديها. وهو ما وافقت عليه بموجب صفقة إنقاذ سابقة عام 2012. ولم تحقق اليونان فائضاً أولياً أفضل من المتوقع، إلا لأن الحكومة أمسكت عن سداد الأموال لمورديها ودائنيها. وبلغ الإنفاق من يناير وحتى يوليو 27٫7 مليار يورو، أي أقل بنحو 4٫5 مليار يورو من الحد المستهدف. وجزء من صفقة الإنقاذ، وهو نحو سبعة مليارات يورو ستستخدم لسداد متأخرات الحكومة، لكن هذه مساعدات لمرة واحدة. وحتى الآن لا تستطيع الحكومة اليونانية فيما يبدو تحقيق فائض إلا على حساب مورديها.

وفي فترة مبكرة من تولي حكومة تسيبراس السلطة، ابتكرت الإدارة حيلاً غير مناسبة لتحسين جمع الضرائب، بما في ذلك حثها الطلبة والسياح على الإبلاغ عن الأنشطة الاقتصادية التي تتعامل بالمال النقدي ولا تقدم فواتير. ومثل هذه الخطط لا تجدي ولن تجدي الآن؛ لأن الأشخاص العاديين الذين يواجهون عبئاً متزايداً في الضرائب سيتقاربون على الأرجح مع أصحاب الأنشطة الاقتصادية الصغيرة وليس مع الحكومة الخاضعة لخطة الإنقاذ. ووطنية اليونانيين لا تمتد إلى التخلي عن قسط أكبر من دخولهم غير الآمن غالباً، بل إن التهرب من الضرائب سيكون أوسع انتشاراً. وإذا لم تستطع الحكومة اليونانية بقيادة تسيبراس أو أي شخص آخر، جمع عائدات الضرائب المطلوبة لنجاح برنامج الإنقاذ، فسوف تنهار الصفقة بمجرد أن يدرك الدائنون أن الأمور لا تمضي وفق الخطة.

ليونيد بيرشيدسكي*

*كاتب روسي مقيم في ألمانيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا