• الاثنين 05 جمادى الأولى 1439هـ - 22 يناير 2018م

ليبيا.. من شرعية الثورة إلى سيادة الدولة (3-3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 31 ديسمبر 2017

الحسن ولد المختار

أزمة السبع العجاف.. والتجاوز الممكن

ومن واقع صراعات ونزاعات الأزمة الليبية، طيلة السنوات السبع الماضية، بعد سقوط نظام القذافي، ظلت بعض مراحل مخاض الثورات المريرة، التي بسطنا القول في بعضها في سياق الحديث عن نظريات «لاهوت الثورة»، تستدعي نفسها في العيان وفي الأذهان، وخاصة منذ ارتماء ليبيا في أتون نزاع مليشيات، وصراع شرعيات، وفيضان بعض مخرجات قمقم فائض العنف في الداخل على بعض دول الجوار في الخارج. وقد تكيف الداخل الليبي حتى الآن، ولو مؤقتاً، مع أحوال الاضطراب والاحتراب العارمة، وخاصة أن الموجودات المالية السيادية خففت من أعباء الأزمة على مصادر معيشة الشرائح الشعبية التي عانت مع ذلك من أحوال غياب الأمن وانعدام السيولة النقدية وتردي الخدمات العامة، ولذا فقد أدت محدودية الضغط الشعبي على القوى السياسية، وانخراط شرائح سكانية واسعة، تحت يافطات القبائل أو الفصائل، كفاعلين منخرطين، بالأصالة أو بالوكالة، في الصراع العنيف، إلى استمراره واستعاره بل مفاقمته وتأجيجه.

وأما في الخارج فقد اكتفت دول جوار ليبيا (مصر وتونس والجزائر والنيجر وتشاد والسودان) مع دول أخرى إقليمية مؤثرة بالتكيف هي أيضاً مع التحدي الليبي، من خلال عملية إدارة للأزمة بالسعي لكف ضرر أي شرر أو خطر قد يمتد إليها، مع محاولات محدودة الأثر لإيجاد تسويات بين الفرقاء الليبيين أنفسهم. ولكن جهود دول الجوار في كف الضرر عنها أثبت الزمن عدم جدواها ما لم يتم إطفاء الحريق الليبي نفسه، حيث ظلت أعمال تهريب السلاح مستمرة وفائض الفوضى والعنف يتواتر الحديث عن سريان عدواه من الداخل الليبي إلى الخارج في مصر وتونس والنيجر ومالي والجزائر، في الأساس. وهو ما زاد وعي دول الجوار بضرورة الانخراط في ماراثون البحث عن حل للأزمة الليبية، وقد بذلت في هذا جهداً ملموسا، في إطار مبادرات ووساطات أحادية أو جماعية، ولكن كل ذلك الجهد الإقليمي لم يدرك أهدافه مع وجود قوى خارجية أخرى غير دول الجوار منخرطة في الصراع، وداعمة لبعض المليشيات المتطرفة، ومن هذه الدول قطر وتركيا، اللتين رفضتا الاعتراف بخسارة حلفائهما في انتخابات مجلس النواب ودعمتا أطرافاً فاقمت أحوال عدم الاستقرار بشكل عام. وقد عملت قطر بصفة خاصة منذ اندلاع ثورة فبراير على استفراغ مؤسسات الدولة الليبية من أية قوة مقاومة مؤثرة من شأنها الحد من تدخلاتها في الشأن الليبي، وفي شؤون دول الجوار الأخرى الموجودة على قائمة بنك استهداف تحالف قطر و«الإخوان» و«المقاتلة».

وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط سرعان ما اكتشفت أوروبا، وهي من دعمت عبر «الناتو» ثورة فبراير وأسقطت نظام القذافي، الذي كانت تضمر له كثيراً من الضغينة، عمق الفخ الذي وقعت فيه، بتدفق أعداد غير مسبوقة من المهاجرين السريين الأفارقة على جنوب القارة، وخاصة بعد تغول وتغلغل شبكات التهريب التي استغلت انفلات الأوضاع والفوضى العارمة في ليبيا، وغياب قبضة الدولة والسلطة وجهات إنفاذ القانون. بل إن بعض المليشيات اكتشفت هي أيضاً العائد المادي الممكن من وراء أنشطة تهريب المهاجرين، أو المساومة بها لابتزاز الأوروبيين. وقد بلغ طوفان المهاجرين، الواصلين أو الغرقي في عرض المتوسط، أرقاماً لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً وخاصة في سنتي 2014 و2015. وفي مواجهة هذا التحدي الجارف، الذي أدى لتفاقم دور وحضور الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في القارة العجوز، كان رهان الدول الأوروبية منذ بداية الأزمة الليبية الراهنة مركزاً على إيجاد نظام قوي فقط، من أي طيف سياسي، قادر على لعب دور المصد والحجاب الجاجز بين أوروبا وطوفان المهاجرين. وهنا دعم الأوروبيون بداية بعض المليشيات المسيطرة، كسلطة أمر واقع، ثم استقر رأيهم أخيراً على دعم المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، برئاسة فايز السراج، وفرعها الاستشاري التنفيذي المسمى مجلس الدولة برئاسة الزعيم القبلي التقليدي في مصراتة عبد الرحمن السويحلي.

الهجرة وأسواق الاسترقاق!

ولكن التقدم المطلوب أوروبياً في الحد من تدفق الهجرة السرية عبر الأراضي الليبية، تبين بسرعة وجود علاقة طردية بينه وبين تراجع حقوق الإنسان في ليبيا نفسها لتتكشّف أزمة الهجرة في النهاية عن أزمة أخلاقية، مع الكشف عما يكابده المهاجرون السريون الأفارقة، الذين يقدر عددهم الآن في ليبيا بما لا يقل عن 700 ألف، من تعديات جسيمة على حقوقهم الإنسانية الأساسية، وخاصة بعدما كشفت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن وجود أسواق نخاسة يباع فيها المهاجرون الأفارقة. ما أثار زوبعة إعلامية وحقوقية، على ضفتي المتوسط، في أوروبا وإفريقيا معاً. ... المزيد