• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

حجج المتشككين في «اليورو» ضمن السجال الجاري في المملكة المتحدة، تبدو تافهة عند مقارنتها مع مسائل مثل الأمن والرخاء طويل الأمد

بريطانيا.. هل تسعى وراء أشباح؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 27 فبراير 2016

مارك تشامبيون*

تبدو الحال وسط السجال الجاري في بريطانيا، وكأن الاتحاد الأوروبي وحش غريب له 28 وجهاً، يتحرك كل واحد منها في اتجاه مختلف، والبريطانيون لم يحبوه أبداً، ولكنهم يحتاجونه فحسب. وما زالوا يحتاجونه ربما أكثر من أي وقت مضى. ولكن يبقى من الوارد جداً أن يصوت البريطانيون، في 23 يونيو المقبل، لصالح الخروج من الاتحاد، ربما سعياً وراء أوهام. ومع هذا فبريطانيا، في رأيي، لن تنال سوى القليل من الحرية الاقتصادية التي يحلم بها المتشككون في «اليورو»، وهي في النهاية دولة أوروبية أكثر بكثير مما يعتقدون. ومن أضغاث الأحلام أيضاً أن يعتقد المرء أن بريطانيا يمكنها العيش في عزلة عن بقية الاتحاد الأوروبي، فمتطلبات التجارة وإقامة سوق واحدة تعني ضرورة تنظيمها من بروكسل، رضيت بريطانيا بذلك أم لم ترض. والاعتقاد بأنها ستنجو من تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي محض خيال. بل إن أسكتلندا في كل الاحتمالات ستترك بريطانيا لتبقى مع أوروبا.

وفي مقابل هذه الأوهام تعيش بريطانيا بعض المخاطر الحقيقية للغاية التي تحيط بها وبالقارة أيضاً. والواقع أن مساعي رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ربما أضرت بالفعل بنسيج الاتحاد الأوروبي في لحظة ضربت فيها أزمات عدة من شح المال وأعباء اللاجئين وتحدي الروس هذا التكتل القاري. لأنه لم يدع إلى سابقة من نوعها بل إلى سابقتين في الاتحاد الأوروبي، أولاهما الدعوة إلى استفتاء للبقاء في الاتحاد أو تركه، والثانية جعله هذا متوقفاً على إعادة التفاوض بشأن بنود الاتحاد، من الأساس.

والحال أن هذه السابقة خطيرة، لأنه لم يسمح من قبل لأي دولة أن تأتي إلى الدول السبع والعشرين الأخرى بمجموعة من المطالب وتبتزها فعلياً من أجل التوصل إلى اتفاق تحت التهديد. والاتحاد الأوروبي مثل أي منظمة دولية أخرى هو نتيجة حزمة صفقات ومقايضات. ولكن بريطانيا، بصفتها كدولة وحيدة، تقدمت بمطالب. وموضوع التفاوض الوحيد كان مقدار ما يمكنها الحصول عليه من هذه المطالب، وليس ما يتعين عليها هي تقديمه في المقابل. وهذا نموذج مغرٍ يمكن أن تحتذيه حكومات أخرى، خاصة الحكومات الشعبوية. ويتمثل هذا النموذج في الدعوة إلى استفتاء بشأن الخروج، أو القبول ببعض التغييرات المؤثرة في معاهدات الاتحاد الأوروبي، ثم بعد ذلك التقدم بقائمة من المطالب لانتزاعها. والسؤال، ما الذي يمنع بولندا مثلاً من اتباع سابقة كاميرون، وما الذي يمنع المجر، أو حتى إيطاليا أو فرنسا؟

إن أوروبا في أمسّ الحاجة الآن، أكثر من أي وقت مضى، للقيم السياسية والاستراتيجية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي أصلاً. وقارة ذات تاريخ مديد ومرير مثل أوروبا يجب أن تتوحد لتضع قواعد مشتركة للتواصل، وأن تفهم أنه لا يوجد موقف تتخذه دولة مفردة قد يكون بلا عواقب على جيرانها. وهذه الفكرة ما زالت وجيهة. وهذا شيء يفهمه الزعماء الأميركيون تماماً وهو يفسر معارضتهم الصارمة لخروج بريطانيا. والتاريخ السابق على الاتحاد الأوروبي الذي دخلت فيه القوى العظمى في نزاعات محصلتها صفر للهيمنة على القارة، ودخلت فيه القوى الأصغر في صراعات تؤدي إلى توريط دول أخرى فيها، قد يعود بالفعل وهو بدرجة ما موجود الآن. وإذا لم تتنازع ألمانيا على النفوذ في أوروبا الوسطى والشرقية مع روسيا على سبيل المثال، فلربما تواطأت مع روسيا ضد مصالح الدول الأصغر. والبلقان من دون احتمال العضوية في الاتحاد الأوروبي فربما كان عرضة بالفعل لعدم الاستقرار.

ورقصة بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي ليست إلا مناوشة واحدة في معركة أوسع بشأن ما إذا كانت لدى الاتحاد الأوروبي القوة كي يقدم حلولًا جماعية للمشكلات التي تواجهه، أم أنه سيتمزق ضمن هذه الردة ضد العولمة التي انتجت دونالد ترامب في الولايات المتحدة وبعض الساسة الشعبويين المغالين في قوميتهم عبر أوروبا نفسها. وفيما يتعلق بـ«اليورو» أخفق الاتحاد في حسم أمره. أما في مشكلة اللاجئين، فقد ألقت الاستجابات القومية بالمشكلة إلى الجيران في غياب حل جماعي. وفي الرد على التدخلات الروسية في أوكرانيا ما زال موقف الاتحاد متماسكاً حتى الآن.

وحجج المتشككين في «اليورو» ضمن السجال الجاري في المملكة المتحدة، خاصة بشأن المساهمات في الميزانية واللوائح، تبدو تافهة عند مقارنتها مع مسائل مثل الأمن والرخاء طويل الأمد. ويجب على الناخبين البريطانيين أن يتذكروا أن بريطانيا إذا توقفت عن ترك جوانب من سيادتها لأوروبا فإن جيرانهم الأوروبيين سيتوقفون عن أن يفعلوا الشيء نفسه. وهذا سيتمخض بالأحرى عن تفكك وعالم أكثر قبحاً وليس عن عالم أفضل لبريطانيا، بأي حال.

*محلل سياسي مختص في الشؤون الدولية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا