• الاثنين 10 ذي القعدة 1439هـ - 23 يوليو 2018م

ثمة مخاوف من الهيمنة الكاملة على المجلس القضائي القومي الذي يسيطر على تعيين القضاة، أو جعل قضاة المحكمة العليا مؤيدين للحزب الحاكم

بولندا والتحدي الأوروبي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 ديسمبر 2017

مارك سانتورا*

بعد انهيار الستار الحديدي السوفييتي، كانت بولندا ترغب بشدة في أن تصبح جزءاً من أوروبا. لكن في الأيام القليلة الماضية تحدت بولندا معنى كونها جزءاً من الاتحاد الأوروبي حين مضت قدماً في إجراءات مثيرة للجدل لتنقيح نظامها القضائي ولوضع محاكمها تحديداً تحت سيطرة الحزب الحاكم. وأدى التحرك إلى لوم غير مسبوق من الاتحاد الأوروبي. فلأول مرة استخدمت المفوضية الأوروبية وهي الذراع التنفيذية للتكتل أقوى التهديدات في محاولة لوقف الإجراء البولندي مشيرة إلى المادة السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي التي قد تحرم بولندا من حقوق التصويت. واتهم التكتل الحكومة البولندية بمحاولة تقويض القيم الديمقراطية الأساسية. لكن الرئيس البولندي «أندريه دودا» أقر الإجراءات لتصبح قوانين رغم هذا.

ومازالت بولندا تريد أن تقف إلى جانب الغرب رغم أن الحزب الحاكم يصف مسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل بالاستعلاء والنخبوية. وتعتمد البلاد على الدعم المالي الذي تحققه لها العضوية في التكتل ومازالت تعزز علاقاتها العسكرية مع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) الأخرى. ويعتقد منتقدو الإجراءات البولندية أن تحدي التكتل لا يعرض الديمقراطية البولندية للخطر فحسب بل يضع تحدياً أمام مدى فعالية التكتل في التعامل مع الدول التي تخرج عن الصف. وإذا فشلت بروكسل في كبح ما تراه سلوكاً يقوض القيم الديمقراطية في بولندا فإن دولاً أخرى يقودها زعماء شعبويون مثل جمهورية التشيك ورومانيا ستتحلى بالجرأة لتسلك المسار الخاص بها.

لكن بولندا ليست المجر التي أثار رئيس وزرائها «فيكتور أوربان» غضب زعماء الاتحاد الأوروبي مراراً ويتقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وخلاف بولندا مع الاتحاد الأوروبي أكثر تعقيداً وجذوره تمتد في تربة بولندا في الأساس. والأزمة تمتد جذورها إلى عام 1989 حين أصبحت البلاد أول دولة من الكتلة الشرقية تجري انتحابات حرة نسبياً بعد عقود من الصراع المرير والدموي أحياناً. واستغرق كتابة دستور جديد ثمانية أعوام أخرى. وأشار «مارسين ماتشاك»، أستاذ القانون الدستوري بجامعة وارسو، إلى أن الدستور الجديد «أُقر في خضم صدمة ما بعد الشمولية».

ويرى «ماتشاك» أنه «كان هناك خوف كبير من إفراط الحكومة في القوة، وبالتالي نعود إلى العصور السابقة. وذكرت ديباجة دستورنا هذا». ونص الدستور على التقسيم الواضح للسلطات بين المحاكم والسياسيين. لكن حين أُقر الدستور عام 1997، لم يكن الجناح اليميني مُمثلا بحزب بما في ذلك «اتفاق الوسط» وهو حزب «ديمقراطي مسيحي» يعتبر سلف حزب «القانون والعدل» الحاكم الحالي. وأوضح «ماتشاك» أن الجناح اليميني رفض إضفاء المشروعية على هذا الدستور. ويعتقد «ماتشاك»، الذي يعارض بشدة التشريع الذي أقره الرئيس «دودا» أن هذا الافتقار لاحتواء جميع الأطياف أدى إلى الاستياء الذي يغذي الحزب الحاكم وزعيمه القوي ياروسلاف كاتشينسكي.

ويشير «إيجور يانكه» الصحفي السابق الذي يدير «معهد الحرية» البحثي، ويقدم النصح بشكل غير رسمي لأعضاء الحكومة إلا أن السنوات الأولى من الديمقراطية البولندية تكمن فيها بذور المشكلات الحالية. وقال يانكي «حين يخبرني شخص ما أننا ندمر السلطة القضائية، أرد متسائلاً: أي سلطة قضائية؟» ويؤكد «يانكي» أنه في تسعينيات القرن الماضي فر عدد كبير من المتورطين في ارتكاب جرائم ضد الشعب البولندي من العدالة. ويطلق يانكي على هؤلاء «العناكب الحمر» التي تتكاثر لتلد عناكب حمراء جديدة. ورغم أن اثنين فقط من القضاة الذين يزيد عددهم على 80 قاضياً في المحكمة العليا لهم علاقات تمتد إلى الحقبة السوفييتية إلا أن نفوذهم مازال ملحوظاً. وذكر «ماتشاك»، أستاذ القانون في جامعة وارسو، أن حزب «القانون والعدل» حين تولى السلطة لفترة وجيزة من قبل بين عامي 2005 و2007 وجد زعيمه كاتشينسكي نفسه مكبلاً بالمحاكم في كل تحرك. وحينها وصف كاتشينسكي هذه العرقلة بأنها «الاستحالة القانونية». وأشار «ماتشاك»إلى أن الحزب حين فاز بالسلطة ثانية عاد كاتشينسكي «أكثر حكمة وغير مستعد لأن يقع في الأخطاء نفسها. وبدأ أعماله بالتخلص من الاستحالة القانونية». وتمثل أول إجراء في حل المحكمة الدستورية التي لها سلطة إعادة النظر في قوانين بولندا. وتخلص الحزب من القضاة غير المؤيدين وضمن أن الهيئة التي كانت ذات نفوذ لم تعد إلا أداة طيعة تقريباً في يد الحزب.

وذكر «ماتشاك» أن القراءة المدققة للقوانين الجديدة تشير إلى نوايا الحزب الحقيقية لأن «الفكرة الأساسية الكامنة خلف هذين التشريعين تتعلق بفرض هيمنة كاملة على المجلس القضائي القومي الذي سيطر على تعيين القضاة». وبفرض قيود على السن، ستخلو مقاعد في المحكمة العليا، ليجري شغلها بقضاة مؤيدين للحزب الحاكم. وعبّر «ماتشاك» عن مخاوفه من أن تستغل الحكومة نظاماً قضائياً تابعاً لتعقب الأعداء القدامى والمنافسين السياسيين. وأشار «ماتشاك» إلى بند جديد يسمح بشيء يطلق عليه الاستئناف الاستثنائي الخاص الذي يتيح في الأساس إعادة فتح أي قضية في السنوات العشرين الماضية. وتكهن بأن «أكثر من مليون قضية سيعاد فتحها خلال ثلاث سنوات نتيجة هذه الأداة القانونية الجديدة». ويخشى ماتشاك من أن كاتشينسكي وحزبه يعتزمون إنشاء «الجمهورية الرابعة» التي تقوم على أساس قيم محافظة وتتخلص من الأعداء الذين يعود تاريخهم إلى الحقبة الشيوعية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا