• الثلاثاء 08 شعبان 1439هـ - 24 أبريل 2018م

رؤية.. ورؤيا

التحليل النفسي بين الولاء والبراء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 ديسمبر 2017

محمد سبيلا

لن تشهد منظومة فكرية مثل ما شهده التحليل النفسي من تعرجات صعودا وهبوطا في بورصة القيم الثقافية. فقد قدم في بعض المراحل وكأنه المجسد لقيم التنوير والعقلانية، وقدم في سياقات أخرى وكأنه ممثل الظلامية واللاعقلانية.

يعتبر فرويد نفسه سليل التراث الأنواري وامتدادا له، وينسب اكتشافاته الفكرية إلى الثورات الفكرية الكبرى التي شهدها التاريخ الثقافي للبشرية.

بل إن فرويد يضع نفسه كامتداد لحركة فكرية كونية بدأها غاليلو وكوبرنيكوس فقد حقق هؤلاء قفزة نوعية بل كونية للبشرية لأنهما أثبتا فلكياً وفيزيائياً أن الأرض التي هي مسكن النوع الإنساني، ليست هي مركز الكون ولا حتى مركز المجموعة الكوكبية التي تنتمي إليها، بل هي مجرد كويكب صغير ضمن المجموعة الشمسية، ثم جاء عالم الأحياء داروين لينسج على نفس المنوال مبينا أن الإنسان هو الدرجة الأرقى في السلم الحيواني المتدرج من الخلية الأولى إلى الفقريات والثدييات، وأن الإنسان كنوع قد تدرج عبر عشرات القرون من الإنسان القائم إلى الإنسان العارف الذي تمثل البشرية الحالية ذروته. ويأتي التحليل النفسي ليكمل عملية انتزاع الإنسان من مركز الكون ثم من مركز الخليقة ليضيف ثالثه أثاف كبرى وهي أن الإنسان ليس سيد نفسه بل هو محكوم بقوى غريزية لاواعية هي بمثابة البنية التحتية الموجهة لسلوكه.

هذا فيما يخص المكانة الفكرية (العلمية والفلسفية) لهذا العلم الإنساني الجديد الذي يمتح من التقاليد العلمية والفلسفية (شونبهاور، نيتشه.. مثلا) الكونية.

أما فيما يخص البناء النظري لهذا العلم فهو نظرية حول النفس، مكوناتها وآليات عملها الواعية وغير الواعية، ونظرية حول الأحلام معانيها ودلالاتها النفسية، وحول البنية النفسية من حيث مكوناتها الثلاثة والدوافع البيولوجية والمكون الأخلاقي (الأنا الأعلى) والأنا كجماع وخلاصة لتفاعل هذين المكونين.

ولهذا التصور للنفس - الذي هو تصور مستمد من مستوى تطور البيولوجيا وعلوم الأعصاب والدماغ آنذاك والذي هو بالتأكيد لا يأخذ النفس كهوام بل كمجموعة قوى موضعية أو طاقية متفاعلة قاطعا مع التصورات الغيبية أو الميتافيزيقية للنفس باعتبارها روحا أو كيانا هابطا غامضا مستقلا عن الجسم ومختلفا عنه. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا