• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م

في ما بين السينما والفلسفة من اتصال ومحبَّة

السينما لمّا تتفلسف!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 ديسمبر 2017

محمد نور الدين أفاية

كيف انتقل «الفن السينمائي»، عند اكتشاف «السينماتوغراف» cinématographe في أواخر القرن التاسع عشر، من اعتباره مجالاً للترفيه والتسلية «الشعبية» إلى موضوع «جدّي» للتفكير والتأمل والتحليل؟ وما هي أوجه اللقاء بين السينما بوصفها صناعة وفنّاً، وبين الفلسفة باعتبارها ميداناً للمعرفة وإنتاج المفاهيم؟

لأوجه اللقاء بين السينما والفلسفة محطَّات واجتهادات ومدارس ومفاهيم. وفضلاً عن المؤلفات والبحوث التي اهتمت بتاريخ وتقنيات السينما ومخرجيها، نجد كتباً ومناظرات تتخذ من الفلسفة والسينما موضوعاً لها. لم ينتظر البحث في هذا الموضوع «جيل دولوز» حتى يتبين للمهتمين بأن السينمائي يفكر في نفس الموضوعات التي ينشغل بها الفيلسوف، اعتماداً على أدوات تقنية ووسائطية مختلفة، وعلى رأسها الصورة السينمائية. فقد سبق دولوز مَنْ تحدث عن «جوهر السينما»، وعن «أنطولوجيا السينما»، ومَنْ تناول هذا الفن من زاوية سيكولوجية، وسوسيولوجية، بل وهناك مَنْ دافع عن «ميتافيزيقا السينما»... إلخ. وهكذا تبيّن أن الفلاسفة يتفاعلون مع السينما بطرقهم الخاصة. يتحدثون عن الأفلام التي يراها الآخرون، لكنهم يجدون فيها ما يستنفر تفكيرهم ويحرك تأويلهم، باحثين عن الدلالات الأخلاقية والسياسية والميتافيزيقية التي تحملها صورة أو متوالية أو شخصية أو مشهداً في هذا الفيلم أو ذاك. وغدت السينما تمتلك إغراء خاصاً من خلال قدرتها على جذب المفكرين والفلاسفة وجعلها موضوعاً للتفكير؛ بل وعثروا في «العُدَّة السينمائية» على التعبير الأجْلى لمفارقات الجوهر والمظهر، والواقع والصورة. ومن ثم اقترحت السينما على الفلسفة إمكانيات كبيرة للاشتغال، بل ووفرت شروط بعض «الاندفاعات» الفكرية بفضل كونها تختزن ما سماها «آندريه بازان» قوة «أنطولوجية» تحتاج إلى الفلسفة لإبراز مكوناتها ودلالاتها وأبعادها.

المحبة المشتركة

قد ينتبه البعض، أيضاً، إلى وجود قاسم مشترك آخر بين الفلسفة والسينما، يتمثل في المحبة. الفلسفة هي محبة الحكمة، والسينما تنتج، حتماً، محبيها. لقاء هذين النمطين من النزوع الفكري والوجودي، والتشابك الذي يحصل بينهما أنتج تجارب فكرية وجمالية في غاية العمق والأهمية، سواء من جانب الفلاسفة الذين اشتغلوا على السينما، أو من جانب السينمائيين الذين تأثروا بفلاسفة.

وهكذا نجد ما يمكن نعته بـ «التمثل الفلسفي للسينما»، كما يسمّيه «دومنيك شاتو»، تأسس هذا التمثل على قضايا أو على أطروحات تتساءل عن السينما بوصفها مجالاً قادراً على إنتاج الأفكار والمفاهيم. وهو ما يفترض تجاوز النظر إلى السينما كوسيلة ترفيه أو مُكون مهم من «مجتمع الفرجة»، والتعامل معها كأثر فني له موقع ومفعول في الثقافة المعاصرة. كما يلتقي المرء مع توجه آخر يقضي بضرورة الانتباه إلى الطرق التي تنحتها السينما بذاتها، أي أن الأمر يتعلق بتساؤل داخلي للسينما بالسينما بوساطة تقنياتها التي لا تكفُّ عن تجديدها، وبالكيفيات المختلفة التي يتم بها إنتاج «الفيلم».

من «السينماتوغراف» إلى التقنيات الرقمية مسار طويل شهدته السينما في تأطير الأجساد والأمكنة والأزمنة واللغات. وهو ما تطلب من مُنتجيها، في كل مرة، مساءلة أدواتهم وتقنياتهم وتحولات المعاني التي تولدها هذه التقنيات. هناك، أيضاً، زاوية أخرى للنظر إلى علاقة السينما بالفلسفة تتلخص في التعامل مع السينما باعتبارها تجربة فلسفية تستنفر أسئلة من قبيل: كيف نفكر في السينما؟ وإلى أي حد يمكن التفكير معها؟ وما هي مسوغات القول بإمكانية التفكير سينمائياً ما دامت السينما وساطة أو شكلاً فنياً تمتلك المؤهلات التقنية والفكرية لخلق عوالم وإنتاج حقائق؟ ولعل هذا النمط من الأسئلة هو الذي دفع «دولوز»، في كتابه «الصورة - الحركة»، إلى اعتبار السينما تحوز قدرة إبداعية تعتمد فيها على الحركة والزمان، كما تُحفّز على التفكير. ولا يتعلق الأمر، هنا، بالقيام بمقارنات مع مختلف المنظومات الفلسفية أو اجتراح تصورات للعالم، وإنما بالنظر إلى السينما كأداة للفلسفة. وهو ما يستدعي التفكير في السينما كتجربة فلسفية تمتلك مكانة، وتُنْتج صوراً ووقائع وشخوصاً وعوالم بطرق مختلفة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا