• الجمعة 09 رمضان 1439هـ - 25 مايو 2018م

قلوب مفتوحة.. حدود مفتوحة

سردُ البحر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 ديسمبر 2017

إبراهيم حمزة

لا أظن أن هناك دولة عربية تهتم بالتواصل والانفتاح على غيرها عبر جسور الثقافة مثلما تفعل الإمارات، مجسدة حلماً تاق الجميع لتحقيقه.. ولقد كان للبحر دوره المهم كمعبر للفكر والثقافة على مر الزمان، خاصة لوطن مثل الإمارات، التي تمتد سواحلها المطلة على ساحل الخليج العربي مسافة (644 كيلومتراً)، كما تقول الموسوعة العالمية.

إبداعياً، كان الخليج حاضراً بقوة، ولنتوقف قليلاً عند رواية تهيم عشقاً بالخليج، هي رواية ريم الكمالي «سلطنة هرمز»، وهي رواية ترحل في التاريخ وتقدم نسجاً معرفياً متكاملاً عن سلطنة هرمز وتاريخها وجغرافيتها وطقوسها وثقافاتها وطبيعتها وعاداتها وتقاليدها، وعن دور المرأة فيها الذي سيفاجئ القارئ كثيراً.

وتدور أحداث الرواية كما يلخصها الكاتب محمد ولد محمد سالم «في مطلع القرن السادس عشر قبيل وأثناء احتلال القائد البحري البرتغالي ألفونسو دي البوكيرك مضيق هرمز (1509م)، وما حوله، وتستعرض الأحداث جانباً من حياة الفتاة بدرة ابنة التاجر الحجازي الذي استقر في قرية خصب القريبة من المضيق، وبنى فيها داراً عامرة وخزانة للكتب جلبها من مختلف بلدان العالم، وقد علم ابنته الكتابة والقراءة قبل أن يموت، وأورثها حب المطالعة، فأدمنت النظر في تلك الكتب، وحلمت بأن تصنع لنفسها مجداً خاصاً يتجاوز حدود قريتها الوادعة، كما تستعرض الرواية أيضاً مشاهد الحرب التي احتل فيها البوكيرك قرية خصب، ومشاهد إبادة جنوده لأهل القرية، وتتعرض لبعض الشخصيات وخلفياتها وعلاقتها بالقرية، بما فيها شخصيات عاملة في الجيش البرتغالي الغازي. وربما يحمد للكاتبة أنها لم تتجه إلى السيرة الذاتية وشبيهاتها، وإنما عمدت إلى التاريخ المشحون بالزخم الإنساني الخالص.

ويبدو اهتمام الرواية الإماراتية – والخليجية عموماً- بمسألة البحر طبيعياً، ولقد ظهر اسم جاسم القطامي في أواخر الأربعينيات في هذا الاتجاه، ثم فهد الدويري، ثم سليمان الشطي.

ولقد استخدم الكاتب الخليجي أدوات البحر. ولم يكن البحر ـ بكل قسوته ـ ليمنع ورود الأحلام الرومانسية في الرواية الخليجية، كما نقرأ في رواية صلاح صالح: «نزلنا من الباخرة بعيدين عن الجزيرة، وسرنا في شراع فوق منازل اللؤلؤ الراقد تحت الأمواج، والبحر ساعتئذ رهو، والهواء عليل، وشمس الصباح تتهادى على الاثنين، فبدت المنامة خلالها مشرقة بيضاء، كأنها أبراج شيدت من اللؤلؤ، بل هي أميرة اللآلئ».

ويحضر البحر في الإبداع الروائي الإماراتي على نحو كبير، ففي أول رواية إماراتية (شاهندة ـ 1971م) التي ألفها راشد عبد الله، ولم يتبعها بأي نص روائي آخر، لا نعدم وجود البحر هائجاً صارخاً عبر صفحات الرواية التي تخلط عدة عوالم في بعضها البعض، من الساحل إلى المدينة إلى قلب الصحراء إلى القصور المهيبة، لتتحقق أمنية المؤلف في تشكيل رحلة شاقة متنوعة، حيث تحكي الرواية قصة الطفلة المعذبة التي يطاردها الجوع والفقر، وتكتمل المأساة بمشهد النخاس الذي يحولها إلى فتاة رخيصة، وتنتقل من بيئة لأخرى، حتى تصل في النهاية إلى قصر الملك الذي يتزوجها، ثم ينتقم لها ممن ظلمها. الرواية تحمل قيمة تاريخية في المقام الأول، وتشير للبحر، وهياجه في مشهد للطفلة شاهندة وأسرتها وهي تصارع الموج بعد هبوب العاصفة على السفينة التي تنقلهم من الساحل الفارسي إلى ساحل الخليج، لكن صراع الموج ذاك لا يدوم سوى لحظات تقرؤه كنغمة نشاز في نوتة موسيقية، فلا عنف في شاهندة لا مع الطبيعة أو بين البشر، بل هي رواية أحداث قدرية أكثر من كونها رواية تتفاعل مع الطبيعة الجغرافية أو حتى التاريخية للمنطقة. كما تقول الدكتورة هدى النعيمي في تقديمها للرواية.

الرواية ابنة الواقع، ولأنها تعتمد على المدنية في المقام الأول، فوجودها العربي كان – كما يرى يحيى حقي – اتصالاً مباشراً بالرواية الغربية والفرنسية خاصة، ولذلك رأينا مبدعة إماراتية كبيرة مثل ميسون صقر القاسمي، تختار بيئة حديثة لتنطلق منها إلى بيئة الإمارات القديمة في روايتها الثانية «في فمي لؤلؤة» والتي تدور – كما يلخصها المبدع جمال فتحي ــ حول «شمسة» إماراتية الأصل تعيش في القاهرة وتدرس في جامعتها الأم على يد أستاذ جامعي «عز الدين» تشعر نحوه بشيء ما، رغم فشلها في تجربة سابقة مع زميلها «سامح» ضيق الأفق أصولي النزعة، تختلف مع أستاذها حول موضوع بحثها في دراستها العليا، فتنصرف عن توجيهاته وتلبي نداء نداهة البحث وشغف الكتابة ليدفعاها إلى تحدي اختياراته والذهاب إلى منبتها في الخليج، حيث الحنين إلى «تاريخ من الجمال والغبن والوجع» وحكايات الجدة عن ظلمة البحر والجثث المدفونة فيه، وعن الغطس واللآلئ والمحار والمراكب والصيادين، لتبدأ مغامرتها هناك في حراسة صديقتها المصرية التي ترافقها خوفاً عليها «مروة» ومساعدة «سالم» المخرج الإماراتي الذي يسعى لتكوين جماعة للفن البصري، حيث يزورها هناك في فندق إقامتها «مرهون» البطل ذو المسحة الأسطورية أو «حفار القبور» في مشهد تهيمن عليه الهلوسة، حاملاً لها رسالة أو نصيحة بالإقدام بلا خوف أو شك على ما ترغب في فعله، قبل أن تراه مرة أخرى في رسائل «وليم» الرحالة/‏‏‏ الجاسوس في مركز المخطوطات التي تفتح وعيها على عوالم سحرية فيها «مرهون وآمنة ومسعود وغانم وخلفان والنوخذة والسعيد والسيب والشحي والخيام والبحر والغطس والصيادين والمحار» لتلتقط أطراف الماضي البعيد وتبدأ في نسج الحكاية، وتكمل فراغاتها بوسائل مختلفة من وثائق وزيارات لمواقع أثرية كالحصن القديم «قصر الحاكم»، لتسير الرواية في خطين زمنيين وعالمين هما الحاضر والماضي. وهكذا سيطرت السواحل والبحار والغوص والصيد على الرواية الإماراتية التي قدر لها أن تنتفض، لتصبح جزءاً من واقع روائي عربي مزدهر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا