• السبت 08 ذي القعدة 1439هـ - 21 يوليو 2018م

يعلن نهاية فنّ الضّيافة واستقبال الغريب

التّشرّد الجديد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 ديسمبر 2017

د. العادل خضر

كلّ من اطّلع على قصّة الإيراني مهران كريمي ناصري، أو «السّير ألفريد مهران»، الرّجل الّذي مكث منذ 1988، في مطار رواسي شارل ديغول Roissy Charles-de-Gaulle بباريس، بالمحطّة الأولى، ثماني عشرة سنة، ولم يغادره إلاّ سنة 2006 للمعالجة، لا بدّ أن يستحضر شخصيّتي «بوزّو» Pozzo و«لاكي» Lucky اللّذين ظلّا طيلة مسرحيّة صامويل بيكيت Samuel Beckett «في انتظار غودو». فما يمكن أن يتعلّمه المرء من قصّة مهران كريمي ناصري هو أنّ فنّ الانتظار في رائعة بيكيت قد غادر خشبة المسرح وعوالم الفنون، وحلّ في أروقة المطارات وطوابير المنتظرين الّتي لا تكاد تنتهي. وقد آذن ذاك الانتقال بأنّ عهداً جديداً من تاريخ التّشرّد قد دقّ الأبواب، حاملاً معه أسوأ الأخبار، وهو أنّ فنّ الضّيافة واستقبال الغريب قد ولّى الأدبار منذ زمن بعيد. بيد أنّ قصّة هذا الرّجل الإيرانيّ الّتي خرجت بفنّ الانتظار إلى الواقع سرعان ما عادت به إلى عالم الفنّ من جديد.

ألهمت قصّة مهران العجيبة بغرابتها الفنّ السّينمائيّ. فقد استوحى المخرج الفرنسيّ فيليب ليوري Philippe Lioret بعض أحداثها ليخرج فيلم «السّاقطون من السّماء» (Tombés du ciel) معالجاً بواسطته معضلة «فاقدي الأوراق» على نحو كوميديّ. ولكن يعود الفضل الكبير إلى المخرج الأميركيّ ستيفن سبيلبيرغ Steven Spielberg في ذيوع هذه القصّة وانتشارها العالمي لمّا أخرجها بفيلمه «المحطّة» (Terminal). وقد اضطلع توم هانكس Tom Hanks بدور البطولة فيه متقمّصاً شخصيّة فيكتور نفروفسكي Viktor Navorski، الشّبيهة إلى حدّ كبير بشخص مهران كريمي ناصري. ويبدو أنّ كتّاب سيناريو فيلم سبيلبيرغ قد استلهموا أحداث فيلمه هذا من سيرة «السّير ألفريد مهران» الذّاتيّة دون أن يُنَصَّ على ذلك في إعلان الفيلم.

تبدأ أحداث هذا الفيلم الدّراماتيكيّة بوصول فيكتور نفروفسكي إلى مطار جون فيتزجيرالد كينيدي (JFK) بنيويورك، آتياً من كراكوزي، وهو بلد خياليّ من شرق أوروبا. وقد صادف وصولَه انقلابٌ جدّ في بلده اندلعت على إثره حرب أهليّة كان من تبعاتها السّلبيّة أن مُنِع فيكتور نفروفسكي من زيارة نيويورك وتحقيق وصيّة والده، وهي الحصول على أوتوغراف بِني غولسون Benny Golson أحد عازفي الجاز الكبار من فرقة «جاز ميسنجرز» Jazz Messengers. ولكن قبل أن يحقّق مبتغاه ويضع رجليه خارج المطار متجوّلاً في شوارع بروكلين، وجد نفسه يخوض رغم أنفه مغامرة الطّريد المتشرّد طيلة شهور كان فيها محجوزاً في قاعات المطار ومحطّاته محروماً من رخصة الدّخول إلى الأرض الأميركيّة ومجرّداً من حقّ العودة إلى دياره. ورغم عوائق التّواصل اللّغويّ بالإنجليزية، ووضعه الحرج بسبب أوضاع بلاده السّياسيّة، قرّر فيكتور نفروفسكي أن يقيم في أرض المطار قرب بعض المحطّات لا يبرحها. غير أنّ الحياة مع إدارة المطار لم تكن سهلة. فقد كان فرانك ديكسون Frank Dixon مدير مطار (جي آف كي) المؤقّت ينظر إلى هذا الغريب المتشرّد بعين ساخطة، فسعى بكلّ السّبل إلى الإيقاع به ودفعه إلى مغادرة المطار بصفة غير قانونيّة حتّى يتمكّن من القبض عليه وسجنه. ولكنّه لم يفلح في مسعاه. ومنذ تلك اللّحظة بذل كلّ ما في وسعه لجعل حياة نفروفسكي شبه مستحيلة، بسدّ أبواب الرّزق عليه، إذ كلّما عثر بطلنا المتشرّد على عمل صغير في المطار يقتات منه، سارع المدير إلى طرده منه. ولكنّه في النّهاية كسب تعاطف موظّفي المطار جميعاً، فمكّنوه من دخول نيويورك على مرأى من المدير ورغم أنفه.

مأساة ناصري

وإنْ كان نفروفسكي قد مُنع من دخول نيويورك لسبب سياسيّ، فإنّ مأساة مهران كريمي ناصري قد بدأت من اللّحظة الّتي أضاع فيها أوراقه الرّسميّة الّتي تثبت هويّته وتسمح له بعبور الحدود. والحقّ أنّ قصّة تشرّده قد بدأت قبل ذلك بسنوات. فعندما كان طالباً في جامعة برادفورد في العلوم الاجتماعيّة، شارك مع جمعيّة الطّلبة الإيرانيّين في المظاهرات المندّدة بنظام الشّاه. وحين قرّر سنة 1976 العودة إلى إيران استقبله رجال السّافاك (بوليس الشّاه السّرّي) في المطار، وقبضوا عليه بسبب أنشطته النّضاليّة. وبعد أربعة أشهر من الحجز والتّعذيب، طرد مهران من وطنه، فحاول الحصول على اللّجوء السّياسي من السّلطات الإنجليزية الّتي رفضت طلبه وطردته. وقد تكرّر الأمر بالطّريقة نفسها خمس مرّات في ألمانيا وهولندا وفرنسا وبلجيكيا، كلّما طلب اللّجوء السّياسي جوبه بالرّفض والطّرد. غير أنّه يوم 7 أكتوبر 1981 اعترفت السّلطات البلجيكيّة به وتحصّل على بطاقة لاجئ رقم 86399. ولم يطل به المقام في بروكسل، فقد التقى بأحد اللاّجئين الإيرانيّين وأخبره بأنّ أمّه الحقيقيّة، وتدعى سيمون، تعيش في غلاسكو. فسافر بأوراق رسميّة إلى بريطانيا باحثاً عنها في 16 نوفمبر 1984. وهناك ارتكب حماقة الاستظهار ببطاقة اللاّجئ مؤمّلاً من ذلك ألا تعيده السّلطات البريطانيّة إلى الأرض البلجيكيّة. ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد طُرد من انجلترا، وعاد إلى بلجيكا مجرّداً من كلّ أوراقه، فأغلقت أبواب العودة في وجهه. منذ ذلك التّاريخ بدأت مداركه العقليّة تعاني بعض الاضطراب، من ذلك أنّه صار يرفض هويّته السّابقة، واستعاض عن اسمه القديم باسم آخر هو «السّير ألفريد مهران».

وبعد تشرّد طويل حلّ في بولونية Boulogne-sur-Mer بفرنسا سنة 1985، فلم يطرد منها، ولكنّ السّلطات الفرنسيّة حكمت عليه بالسّجن ثلاثة أشهر بسبب إقامته غير الشّرعيّة في أراضيها. في سنة 1992 كانت فرنسا مستعدّة لمنحه حقّ الإقامة شريطة أن يستظهر ببطاقة اللاّجئ الّتي مُنحت له في بلجيكا. ولكن كيف يمكن مغادرة الأرض الفرنسيّة إنْ كانت الأوراق المطلوبة في الخارج؟ بعد سبع سنوات وافقت السّلطات البلجيكيّة على تسليمه تلك الأوراق فسافر في يونيو 1999 رفقة السّيّد بورجي Bourget والدّكتور بارقان Dr Bargain إلى محكمة بوبينيي Bobigny لسحب أوراقه الجديدة. وكانت المفاجأة في انتظار الجميع. فقد رفض مهران كريمي ناصري أن يمضي تلك الوثائق لأنّها لم تكن تحمل اسمه الجديد «سير ألفريد مهران»، ناكراً أن يكون إيرانيّاً، مدّعياً أنّ أباه سويديّ وأمّه دنماركيّة. ولم يكن من السّهل إقناعه بالتّراجع عن ذلك بعد أن استولى الجنون على عقله. ومنذئذ لم يتغيّر شيء في وضعه. فقد ظلّ مهران دون أوراق، جالساً كلّ يوم في ركنه المعتاد على المقعد نفسه، قريباً من بوتيك «الرّولي» Relay حيث كان يُباع كتابُه عن سيرته الذّاتيّة. وقد اكتسب مهران كريمي ناصري بمرّ الأعوام شهرة واعترافاً عالميّين، تشهد عليهما كمّ الرّسائل وبطاقات البريد الّتي أرسلت إليه من كلّ بلدان العالم، حاملة العنوان التّالي: «السّير ألفريد، مطار شارل دغول، المحطّة الأولى، رواسي، 95700». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا