• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

مؤسسات كبرى تنتج الكراهية على نحو منظَّم

تفكيك معمار الكراهية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أغسطس 2015

د. رسول محمد رسول

ليست (الكراهية)- لعنة ذات بنية ماورائية أو ميتافيزيقية، ليست موروثاً أسطورياً لا يمكن وضعه على مسطرة البحث ومشرحة التفكيك، بمعنى أنها ليست شيئاً مقدساً، فكل الأديان السماوية ترفض الكراهية بين البشر، بل ترفض الكره في حدِّ ذاته، حيث تصف الكراهية بأنها ظلام أما المحبة فهي النور، فما أقسى على الإنسان أن يعيش في ظلام، وهو ما تعيشه حضارتنا الراهنة التي تستفرغ سمومها القاتمة في كل مكان، بل وما يعيشه البشر من كراهية أمست تستفحل يوماً بعد غيره في راهن الحال حتى يكاد المستقبل يلوح بمآل عدمي.

في أضيق وصف، تبدو الكراهية مجرَّد معمار أو كيان له وجوده الحقيقي في حياة البشر. كان أرسطوطاليس قد عدَّ الكراهية من النوازع أو الأهواء التي ترتبط باللذة والألم، ما يعني أنها تجربة ذاتية للإنسان وذلك معمار للكراهية أول. أما الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت فقد عدّها إدراكاً، بينما وجدها الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم شعوراً بشرياً.

المعمار المؤسساتي

هذه النماذج الثلاثة إن هي إلاّ كيانات ذاتية للكراهية، لكن المعمار الأكثر خطورة في أنطولوجيا الكراهية هو المعمار المؤسساتي، ذلك المعمار الذي يبني الكراهية لدى البشر على نحو موضوعي، ويهيئ لها بوصفها معطى ذاتياً كهوى وإدراك وشعور لدى الفرد ليصبَّها في إطار مؤسساتي ينتج الكراهية على نحو منتظم وفق خطاب أيديولوجي قد يتوسَّل الدِّين السماوي أو الدِّين الوضعي مرة وعلى نحو مخادع ومتطرّف أو يتوسَّل أنظمة فكرية دنيوية لتصريف تلك الكراهية مرة أخرى.

لقد عرّت الأديان السماوية خطابها عن الدعوة إلى الكراهية في الحياة؛ فالأديان السماوية قبل الإسلام وصفت الكراهية بالظلام، بل وعدّت الكاره قاتلاً، أما الدين الإسلامي فقد وصف الكراهية بأنها فتنة، ومنزلتها أشد من القتل، ما يعني أن الكراهية أكبر من القتل في الإسلام، ولهذا كانت خشية الخطاب الدِّيني في أصله النقي واضحة من جعله وسيلة لبث الكراهية بين الناس، وطريقة غير شرعية يتوسَّلها الكارهون لقتل الحياة.

لا تكاد الكراهية الذاتية كتجربة شخصية فردية إلا أن تكون ذات أثر محدود إذا ما بقيت تجربة في حدِّ ذاتها، سواء كانت رغبة غريزية أم شعوراً نفسياً كهوى أو حتى مجرد إدراك ذهني أو عقلي، فلكل منهما معماره الذاتي- الشخصي المحدود، ولكن، وعندما يتحوَّل كل ذلك، وفي ملتئَم واحد أو في بوتقة أحقاد واحدة، إلى معمار كراهية موضوعي يمكن تداوله في المجتمع، عند ذلك سيكون الأمر فادح الأثر كون الكراهية خرجت عن نطاق ما هو ذاتي- شخصي صوب ما هو موضوعي عام. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف