• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الأول يضمر الإقصاء.. والثاني يعترف بالتعدُّدية

من التّسامح إلى القبول

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أغسطس 2015

د. ألفة يوسف

علّمتنا اللسانيات ولاسيّما علم الدّلالة منها أنّ للكلمات نوعين من المعاني: معنى مرجعيّاً يحيل على موضوع الكلمة حسّيّاً كان أم مجرّداً، ومعنى التزاميّاً يحيل على الدّلالات الحافة المتّصلة بالكلمة كأن يحيل اللون الأحمر مثلا على الخطر أو أن تحيل الشّمس على النّور. وعادة ما تصّنف المعاني الالتزاميّة إلى معان إيجابيّة ومعان سلبيّة. ومن اللّطيف أنّ كلمة «التّسامح» الّتي غدت اليوم شائعة الاستعمال، يمكن أن تُقرأ دلالاتها الحافة إيجاباً وسلباً.

تحيل كلمة التّسامح من حيث جذرها الاشتقاقيّ: (س،م،ح) على السّماحة بمعناها المعجميّ ذي الحقل الدّلاليّ الإيجابيّ تساهلا وليناً (لسان العرب، جذر س،م،ح)، وبهذا المعنى للتّسامح يتحدّث الإعلام والرّأي العامّ اليوم عن التّسامح بين الأديان والمعتقدات المتنوّعة.

غير أنّ هذا المعنى الظّاهر لكلمة «التّسامح» يخفي معنى ضمنيّاً لا ينفذ إليه العقل إلاّ عبر التّأمّل وينفذ إليه اللاّوعي حدساً. هذا المعنى متّصل بوزن الكلمة والفعل المتعلّق بها، وهو وزن «تفاعل». فهذا الوزن يفيد الاشتراك شأن قولك: تعانق وتحابّ وتعارف، ولكنّه يفيد أيضاً التّظاهر بغير الحقيقة. وهذا شأن الفعل: تجاهل يفيد التّظاهر بالجهل، أو تعالم يفيد التّظاهر بالعلم. بل إنّ النّحاة العرب القدامى يشير بعضهم إلى أنّ هذا التّظاهر يستدعي بذلا للجهد لتبيان الصّورة المرجوّة الّتي هي ظاهر مخالف للحقيقة.

ولا يذهبنّ في ذهنك أيّها القارئ الكريم أنّنا نروم تقديم درس في اللّغة، غير أنّه ولمّا كانت اللّغة هي الّتي تنشئ تمثّلاتنا للعالم وترميزنا له، فإنّ تحليلها يكشف عن كثير من أسرار سلوكنا ومعاملاتنا ومخيالنا.

ومن هنا فإنّ المعنى الضّمنيّ الّذي تحيل عليه كلمة «التّسامح» هو الّذي يعنينا. فبعض النّاس يستعمل هذه الكلمة بما يوحي أنّه مضطرّ أو مجبر على بذل جهد للتّسامح مع من يحمل فكراً مختلفاً أو عقيدة أخرى. وكأنّ على المتسامح أن يتعطّف ويتكرّم ويتنازل ويكره نفسه على السّماحة في التّعامل مع المختلف في حين أنّ الأصل هو رفضه وإقصاؤه وإلغاؤه إن لم يكن فعليّاً فعلى الأقلّ رمزيّاً. ولا تتفرّد اللغة العربيّة بهذا المعنى الضّمنيّ ذلك أنّ المرادفين الفرنسيّ والإنجليزيّ لكلمة التّسامح وهما «tolérance»  و»tolerance» لا يخلوان من الدّلالات الالتزاميّة الّتي تفيد بذل الجهد بل التّعطّف للتّسامح مع الآخر. ولعلّ وجود معنيَيْ الجود والكرم ضمن معاني التّسامح المعجميّة يؤكّدان هذا الحقل الدّلاليّ.

أبعاد دلالية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف