• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

أمامَ كُوخ مارْتن هيدغَر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أغسطس 2015

محمد بنيس

1

زيارة كوخ مارتن هيدغر في قلب الغابة السوداء بألمانيا، من أجمل هدايا الشعر. ذلك ما كنت أتمناه منذ عهد بعيد. ثم حان الوقت، وحدث ما لم أكن أتخيّل تحقيقه. كثيراً ما تهيأتُ لهذه الزيارة، خاصة بعد أن كنت زرتُ، في التسعينيات من القرن الماضي، غرفة هلدرلين في بيت النجار إرنست زيمير بمدينة توبينغن. هلدرلين وهيدغر كأنهما أخوان عثر كل منهما على أخيه بعد أكثر من قرن. وأنا تتبعت أثرهما منذ نهاية الستينيات. لم أستعجل شيئاً منذ تلك السنوات، التي لم يبق منها سوى الرماد. قراءاتٌ وتخيلاتٌ صاحبتها لأقترب من هذا الباحث عن العزلة في كوخ، متشبثاً بالإقامة في مسقط الرأس، بعيداً عن صخب فرايبورج وعالم التقنية.

حان وقت زيارة الكوخ مع مناسبة المشاركة في مهرجان هاوزاخ الدولي للشعر. حيث شاركت في إحياء أمسيته الافتتاحية، مساء الجمعة، العاشر من شهر يوليو من هذه السنة 2015، إلى جانب كل من أدونيس ويواخيم سارتوريوس. نحن الثلاثة في احتفال شعري لتكريم اللغة العربية من طرف الشاعر خوصي أوليفر. إنه الألماني من أبوين إسبانيين، وبالضبط من مالقة الأندلسية. يحمل في أحشائه حباً للعرب وشعرهم. كان يحلم بإقامة هذه الأمسية، وها قد تمت في أرقى صورة. وهجٌ شعري امتزج بأداء مقاطع موسيقية لشوبان على البيانو من أداء فرانك غوليشيفسكي، ثم اختتم الأمسية عازف السكسوفون هايدن خيشولم بمعزوفة لشوبان أيضاً، جمع فيها بين العزف الغربي وتهدج صوت كاهن من كهّان الزن.

أمسية لتكريم العربية في مهرجان ألماني، في زمن أصبح في الألمان يخافون حتى من ذكر اسم العرب. لكن القاعة غصت بجمهور من المدينة، الموجودة في الغابة السوداء، ومن وافدين عليها من مدن مجاورة، بل حتى من ستراسبورج، الفرنسية على حدود ألمانيا. جمهور متحفز للإنصات، وصمت مدهش يسود القاعة. لحظة شعرية بالعربية والألمانية. صاحبني في القراءة الممثل ستيفان فانكورا، وقرأ فؤاد آل عواد قصائد أدونيس بالألمانية، فيما كانت قراءة سارتوريوس بالألمانية ممتزجة بقراءة أدونيس لبعض قصائده بالعربية. سارتوريوس، المولود في تونس، يظل من أقرب الشعراء الألمان إلى الشعراء العرب والعالم العربي وثقافته.

2

في صباح الجمعة زارَنا خوصي أوليفر نحن الإثنين، أدونيس وأنا، في الفندق ليعبّر لنا عن فرحه بقدومنا. وأثناء جلستنا، حول كأس شاي، سألت خوصي عما إذا كانت هناك إمكانية للقيام بجولة في الغابة السوداء، بقصد التعرف على بعض معالمها الطبيعية. وعندما أجاب بالإيجاب أوضحت رغبتي أكثر، وخصصت له المكان المقصود، كوخ مارتن هيدغر في الغابة السوداء. أجاب على الفور، نعم، هذا ممكن جداً. أختي فيكتوريا، قال، هي التي ستتكلف بنقلكم إلى هناك وستزورون الكوخ. على التو حضرت فيكتوريا. سيدة تبدو عليها علامات الضيافة والكرم. وبابتسامة عميقة هزّت رأسها موافقة، وقالت لنا «سيكون يوم الغد صباحاً مناسباً للزيارة». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف